الأعمدة

شجاعة بيب غوارديولا

نزار عثمان السمندل
سودان اليوم يتلوى بين الدخان والنار، بين الخراب والصمت، بين صور الأطفال الهاربة من الموت والصور التي تصل إلى شاشات العالم، حيث يجلس بيب غوارديولا، على مقعده في مانشستر، متأملاً الخراب كما لو كان مباراة لا تُحسم إلا بقلوب البشر.
الحديث عن السودان، الذي يُذبح في حرب ضروس تقترب من إكمال عامها الثالث، ينسج خيوط السياسة الإماراتية على وجه الكرة، ويكشف كيف يمكن لصوت إنساني واحد أن يهز إمبراطورية رياضية تقبع تحت ظل دولة.
غوارديولا، الذي خطّ أسمه على لوحات التاريخ الكروي في برشلونة وميونيخ ومانشستر، اقتحم حدود الرياضة حين تحدث عن الأزمة الإنسانية، بلا مواربة، بلا إسقاطات. لم يكن الموظف الذي يقرأ نصوصاً معدّة، بل إنسان يرى العالم بأعين مفتوحة على المجازر، على آلاف القتلى، على ملايين النازحين الذين يعيشون في مخيمات موبوءة، على أطفال يصرخون دون أن يسمعهم أحد.
الإشارة إلى السودان، وسط قائمة الكوارث الإنسانية، كانت كافية لتوجيه بوصلة الانتباه إلى دولة تُتهم بدعم ميليشيا قتلت، ونهبت، وحاصرت المدن، وأرغمت البشر على العيش في خضم الموت والجوع.
حرب السودان التي انفجرت في أبريل 2023، تركت نحو 400 ألف قتيل، 30 مليون محتاج للمساعدات، و13 مليون نازح. مجزرة الفاشر، التي دامت خمسمئة يوم، كانت الجرح الأعمق، والجرس الذي دقّه غوارديولا في حديثه، بينما تتحدث تقارير عديدة عن تنقّل الأسلحة الإماراتية عبر أذرع سياسية وعسكرية، والمجتمع الدولي صامت عن الاعتراف بتورط مباشر لأبوظبي، التي تكرر نفيها في بيانات رسمية، مستندة إلى تقارير الأمم المتحدة، لكنها تظل تحت شبهة الصمت والممارسة الخفية.
الكلمات التي اختارها غوارديولا لم تنحز إلى الجيش ولا إلى “الدعم السريع”، بل انحازت إلى الألم، إلى الإنسانية، إلى كل من لم يُسمع له صوت. صوته، المرتبط بكرة القدم، أصبح جسراً إلى مجتمع أفضل، حيث سأل: لماذا نقتل بعضنا بعضاً رغم القدرة على السفر إلى القمر وصنع المعجزات؟. وقتها كانت الصور تصل من مخيمات النزوح، من الأسى، من المدن المدمرة، لتجعل من سؤال كرة القدم سؤالاً وجودياً.
أبوظبي، التي يملك فيها منصور بن زايد نادي مانشستر سيتي، تقف عند مفترق الطريق: الرياضة والسياسة يتشابكان، والحديث عن السودان يتحول إلى اختبار للولاء، لكل موظف في الإمبراطورية الكروية، لكل مدرب يجرؤ على رؤية الحقيقة. الاتهامات بالتورط في دعم “الدعم السريع” تتناوب مع النفي الرسمي، بينما تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية تصرّ على وقائع مجازر الفاشر، وعلى وصول أسلحة من الإمارات إلى قوات متهمة بارتكاب فظائع.
غوارديولا، المعروف بمواقفه الداعمة للإنسانية في غزة والحرب الروسية – الأوكرانية، لم يكتفِ بالإشارة، بل حمل صور الموت والمجاعة إلى الصحافة العالمية، شاكراً على السؤال الذي فتح نافذة على الواقع. صمت الملاعب لا يبرر صمت العالم، وكلمات المدرب الإسباني تحوّلت إلى ضوء في الظلام، إلى نافذة يرى من خلالها ملايين السودانيين، الذين لا يريد أحد تذكرهم.
السودان في حديثه صار أكثر من جغرافيا، أكثر من حرب: صار رمزاً للإنسانية المهدورة، للسياسة الملتبسة، للرياضة التي لا يمكن أن تعيش بمعزل عن العالم.
غوارديولا صار جسراً بين الملعب والمأساة، بين الجمهور والضحايا، بين الكرة والحياة، ليظهر أن قوة الكلام، حتى في مؤتمر صحافي كروي، قد تهز الإمبراطوريات وتكشف عورة الصمت والسلطة.
صور الأطفال والنازحين، مجازر الفاشر، وخيوط سياسة مُلاك ناديه، تتشابك على لوحته، فتتحول كرة القدم إلى مرآة تعكس وجع العالم وترنّح الإنسانية التي يصر على حمايتها، فتتوهج على الساحة العالمية كما لو كانت ضوءاً أخضر يرفض الانطفاء.

زر الذهاب إلى الأعلى