الأعمدة

زيارة نتنياهو إلى واشنطن: رسائل القوة والضغط على إيران وترامب

مقدمة
في 11 فبراير 2026، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، التقى خلالها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في البيت الأبيض لأكثر من ثلاث ساعات. الزيارة، التي تعد السادسة لنتنياهو إلى البيت الأبيض خلال عهد ترامب، تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات الإقليمية حول الملف الإيراني، واستمرار المرحلة الثانية من اتفاق غزة.
تأتي هذه الزيارة في لحظة حساسة من التفاعلات الإقليمية والدولية، حيث تسعى إسرائيل إلى تثبيت رؤيتها الأمنية تجاه إيران، بينما يحاول ترامب إعادة صياغة سياسته الخارجية بما يخدم مصالحه الانتخابية والاقتصادية.

أولاً: السياق السياسي للزيارة
1. العلاقات الإسرائيلية–الأمريكية في عهد ترامب
منذ تولي ترامب الرئاسة، شهدت العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية تقارباً غير مسبوق. فقد اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وأقر بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، وهي خطوات اعتبرها نتنياهو إنجازات تاريخية.
الزيارة السادسة لنتنياهو إلى البيت الأبيض تمثل تتويجاً لهذا التحالف، وتعكس عمق التنسيق بين الطرفين في الملفات الأمنية، خصوصاً تجاه إيران وحركات المقاومة في المنطقة.
2. التوقيت السياسي للزيارة
تأتي الزيارة في وقت تتزايد فيه الضغوط على إدارة ترامب لإعادة تقييم سياستها تجاه إيران بعد تعثر المفاوضات النووية، وعودة طهران إلى تخصيب اليورانيوم بمستويات مرتفعة. كما تتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية في إسرائيل ضد حكومة نتنياهو بسبب الأوضاع الأمنية في غزة والضفة الغربية، ما يجعل الزيارة فرصة لنتنياهو لتأكيد مكانته كزعيم أمني قادر على التأثير في القرار الأمريكي.

ثانياً: الملف الإيراني في قلب المحادثات
1. الموقف الإسرائيلي
تعتبر إسرائيل أن إيران تمثل التهديد الوجودي الأول لها، ليس فقط بسبب برنامجها النووي، بل أيضاً بسبب قدراتها الصاروخية ودعمها لحلفائها في المنطقة مثل حزب الله والحوثيين والحشد الشعبي.
تسعى حكومة نتنياهو إلى إقناع ترامب بضرورة تضمين هذه الملفات الثلاثة – النووي، الصاروخي، والدعم الإقليمي – في أي اتفاق جديد مع طهران. وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن نتنياهو قدم للرئيس الأمريكي تقارير استخباراتية مفصلة حول نشاطات إيران في سوريا والعراق واليمن، مؤكداً أن أي تساهل أمريكي سيُفسَّر في طهران كضوء أخضر للتوسع الإقليمي.
2. الموقف الأمريكي
ترامب، الذي يسعى إلى تحقيق إنجاز دبلوماسي قبل الانتخابات المقبلة، يوازن بين رغبته في اتفاق جديد مع إيران وبين ضغوط اللوبي الإسرائيلي واليمين الجمهوري.
ورغم أن ترامب أعلن مراراً أنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، إلا أن مستشاريه الاقتصاديين والعسكريين يحذرونه من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تضر بالمصالح الأمريكية في الخليج.

ثالثاً: الأبعاد الأمنية والعسكرية
1. هل تمتلك إسرائيل القدرة على التحرك منفردة؟
من الناحية التقنية، تمتلك إسرائيل قدرات عسكرية متقدمة تمكنها من تنفيذ ضربات محدودة ضد المنشآت النووية الإيرانية، خاصة باستخدام طائرات “إف-35” وأنظمة الحرب الإلكترونية.
لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن أي عمل عسكري واسع ضد إيران دون تنسيق مع الولايات المتحدة سيحمل مخاطر جسيمة، منها:
رد إيراني مباشر على العمق الإسرائيلي عبر حزب الله أو الحوثيين.
اضطراب أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط.
توتر العلاقات مع واشنطن في حال اعتُبر الهجوم عملاً أحادياً يهدد المصالح الأمريكية.
2. التنسيق الاستخباراتي والعسكري
تشير تقارير مراكز الدراسات الأمريكية مثل Brookings Institution وCenter for Strategic and International Studies (CSIS) إلى أن التعاون الاستخباراتي بين واشنطن وتل أبيب بلغ مستويات غير مسبوقة منذ 2024، خصوصاً في مجال المراقبة الجوية والفضائية للأنشطة الإيرانية.
كما أن إسرائيل تعتمد على الدعم اللوجستي الأمريكي في عمليات التزود بالوقود الجوي، وهو ما يجعل أي عملية عسكرية واسعة ضد إيران شبه مستحيلة دون تنسيق مسبق مع واشنطن.

رابعاً: البعد الدبلوماسي والإقليمي
1. الرسائل الموجهة إلى إيران
تحمل زيارة نتنياهو رسالة مزدوجة إلى طهران:
أولاً، أن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي اتفاق لا يراعي مخاوفها الأمنية.
ثانياً، أن التنسيق الأمريكي–الإسرائيلي مستمر رغم الخلافات التكتيكية.
هذه الرسائل تهدف إلى الضغط على إيران للقبول بشروط أكثر صرامة في المفاوضات الجارية في فيينا، خاصة فيما يتعلق بتقليص برنامجها الصاروخي.
2. الموقف العربي والإقليمي
تتابع دول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات، هذه الزيارة باهتمام بالغ، إذ تتقاطع مصالحها مع إسرائيل في الحد من النفوذ الإيراني.
كما أن القاهرة وعمان تنظران إلى التحركات الإسرائيلية–الأمريكية باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعد اتفاقات التطبيع.

خامساً: النتائج المحتملة للزيارة
1. على الصعيد الأمريكي
من المرجح أن تؤدي الزيارة إلى تعزيز موقف التيار الداعم لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري، وإلى زيادة الضغوط على إدارة ترامب لتبني موقف أكثر تشدداً تجاه إيران.
كما قد تسفر عن تفاهمات جديدة تتعلق بتوسيع التعاون الدفاعي، وربما توقيع اتفاقيات لتطوير منظومات الدفاع الصاروخي المشتركة.
2. على الصعيد الإسرائيلي
سيستفيد نتنياهو داخلياً من الزيارة لتقوية صورته كزعيم قادر على التأثير في السياسة الأمريكية، خصوصاً في ظل الانتقادات التي تواجهه بسبب الأوضاع الأمنية في غزة.
كما أن الزيارة تمنحه ورقة ضغط إضافية في مواجهة المعارضة الإسرائيلية التي تتهمه بالمغامرة السياسية.
3. على الصعيد الإيراني
ستعتبر طهران الزيارة محاولة لتقويض أي فرصة للتفاهم مع واشنطن، وقد ترد بتصعيد محدود في الخليج أو عبر وكلائها في المنطقة.
كما أن الحرس الثوري الإيراني سيستغل الزيارة لتبرير زيادة الإنفاق العسكري وتعزيز الردع الإقليمي.

سادساً: قراءة استراتيجية في مستقبل العلاقة الثلاثية (واشنطن–تل أبيب–طهران)
تشير الاتجاهات الراهنة إلى أن العلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة ستظل محكومة بمعادلة الردع المتبادل.
واشنطن تسعى إلى اتفاق يضمن مصالحها الاقتصادية ويمنع الحرب.
إسرائيل تريد اتفاقاً يضمن تفوقها العسكري ويقيد إيران إقليمياً.
إيران تسعى إلى كسب الوقت وتثبيت نفوذها الإقليمي دون الدخول في مواجهة مباشرة.
في هذا السياق، تمثل زيارة نتنياهو محاولة لإعادة ضبط هذه المعادلة بما يخدم الرؤية الإسرائيلية، عبر الضغط على ترامب لتبني سياسة “الردع المسبق” تجاه إيران.

خاتمة
زيارة نتنياهو إلى واشنطن في فبراير 2026 ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل هي محطة مفصلية في مسار العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية، وفي مستقبل الملف الإيراني.
اللقاء مع ترامب يعكس استمرار الرهان الإسرائيلي على التحالف مع اليمين الأمريكي، ويؤكد أن تل أبيب ستواصل استخدام أدوات الضغط السياسي والإعلامي والعسكري لضمان أن أي اتفاق مع إيران لن يهدد أمنها القومي.
ومع أن إسرائيل تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات محدودة ضد إيران، إلا أن أي مواجهة شاملة ستظل رهينة التنسيق مع واشنطن، التي تدرك أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه إلا عبر توازن دقيق بين الردع والدبلوماسية.
المراجع
Brookings Institution – U.S.-Israel Strategic Dialogue Reports 2025–2026.
Center for Strategic and International Studies (CSIS) – Iran’s Missile Program and Regional Strategy, January 2026.
The Washington Post – Netanyahu’s Sixth Visit to the White House: What It Means for U.S.-Israel Relations, February 2026.
Foreign Affairs – The Future of the Iran Nuclear Deal, December 2025.
Haaretz – Israeli Security Cabinet Debates Iran Strike Options, February 2026.
The Jerusalem Post – Netanyahu Presses Trump on Iran and Gaza, February 2026.
RAND Corporation – Israel’s Military Capabilities and Strategic Autonomy, 2025.
Al-Monitor – Regional Reactions to Netanyahu’s Washington Visit, February 2026.

زر الذهاب إلى الأعلى