بقلم: محمد عزالدين
لم تعد المدرسة في السودان مجرد مبنى للتعليم، بل أصبحت شاهداً على انهيار شامل أصاب البنية التحتية والحياة المدنية معاً. فالحرب التي لم تتوقف بعد دمّرت محطات المياه والكهرباء وشبكات الخدمات، وألحقت أضراراً جسيمة بالمباني المدرسية، بينما تعرّضت ملايين الأسر للنزوح والتهجير القسري من أكثر المناطق الحضرية كثافة سكانية، خاصة الخرطوم والجزيرة. في هذا السياق، تفكك الفضاء التعليمي كما تفككت المدينة نفسها.
أولاً: قبل الحرب – خصخصة وتعميق للفجوة الطبقية
لم تكن أزمة العمارة المدرسية وليدة الحرب وحدها. فقبلها بسنوات، أدت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية إلى تقليص الإنفاق العام على التعليم الحكومي، مقابل توسع كبير في المدارس الخاصة. انعكس ذلك عمرانياً في مشهد طبقي واضح: مدارس خاصة ببنية حديثة وتجهيزات أفضل، في مقابل مدارس حكومية تعاني من التهالك، وضعف الصيانة، وانعدام المعايير البيئية الملائمة.
وخلال الفترة الانتقالية، استمرت ذات السياسات الاقتصادية دون مراجعة جذرية تعيد الاعتبار للتعليم كخدمة عامة وحق اجتماعي. لم توضع خطة قومية لإعادة تأهيل المباني المدرسية أو تطوير معايير تصميم تراعي المناخ المحلي وتكلفة البناء واستدامته.
ثانياً: الحرب وتعرية الهشاشة البنيوية
جاءت الحرب لتكشف هشاشة النموذج القائم:
تدمير مباشر لعشرات المدارس.
انقطاع الكهرباء والمياه، ما جعل تشغيل المدارس المتبقية أمراً بالغ الصعوبة.
استخدام بعض المدارس كمراكز إيواء، دون خطط واضحة لإعادة تأهيلها لاحقاً.
المدرسة التي يفترض أن تكون فضاءً آمناً للتعلم تحولت إلى موقع هش في قلب الصراع. وهنا يتقاطع المعماري بالسياسي: فغياب رؤية لبناء مدارس مرنة، متعددة الوظائف، قادرة على العمل كمراكز مجتمعية في أوقات الأزمات، يعكس غياب التخطيط الاستراتيجي للدولة نفسها.
ثالثاً: لجنة المعلمين ودور الحركة النقابية
في مواجهة سياسات النظام الدكتاتوري، برزت لجنة المعلمين السودانيين كجسم مقاوم وممثل فعلي لقطاع التعليم العام. لعبت اللجنة دوراً محورياً في تعبئة المعلمين للدفاع عن حقوقهم المهنية، ومقاومة سياسات الإفقار والتجويع التي استهدفت التعليم الحكومي. ظلّت اللجنة صوتاً مستقلاً يعبر عن تطلعات القاعدة التعليمية، ويؤكد أن إصلاح البيئة المدرسية لا ينفصل عن تحسين شروط العمل والكرامة المهنية.
إن أي حديث عن إعادة بناء العمارة المدرسية يجب أن يمر عبر تمكين المعلمين وممثليهم الحقيقيين في صياغة السياسات، لا عبر تهميشهم أو الالتفاف عليهم.
رابعاً: نقد الشراكة ومسار استعادة الثورة
يبقى نقد الشراكة مع اللجنة الأمنية للنظام السابق – التي كُرّست في الوثيقة الدستورية – مسألة مركزية لفهم ما جرى لاحقاً. فقد مهّدت تلك الشراكة الطريق لانقلاب أكتوبر، ثم انزلاق البلاد إلى حرب أبريل. إن استعادة روح ثورة ديسمبر تتطلب مراجعة سياسية شجاعة لذلك المسار، لأن بناء مدرسة جديدة في فضاء منهار سياسياً لن ينتج تعليماً حراً أو مجتمعاً مستقراً.
خامساً: نحو نموذج سوداني بديل في العمارة المدرسية
تجارب الجنوب العالمي في 2024 تشير إلى اتجاهات يمكن الاستفادة منها:
تصميمات حيوية تدمج الطبيعة لتخفيف الحرارة وتحسين الصحة النفسية.
استخدام مواد محلية منخفضة التكلفة والبصمة الكربونية.
مدارس متعددة الوظائف تعمل كمراكز مجتمعية وملاجئ عند الكوارث.
حلول مناخية تعتمد على التهوية الطبيعية والأسقف المرتفعة وجمع مياه الأمطار.
في السودان، حيث الموارد شحيحة والتغير المناخي يشتد، يمكن لهذه النماذج أن تشكل أساساً لإعادة إعمار مختلفة: إعمار يعتمد على المجتمع المحلي، والمواد المتاحة، والرؤية البيئية، لا على إعادة إنتاج الخرسانة المكلفة والتبعية الاقتصادية.
خاتمة
العمارة المدرسية ليست مسألة جدران وأسقف، بل تعبير عن طبيعة الدولة وخياراتها الاجتماعية. بين ركام الحرب وأمل الاستعادة، تظل المدرسة ركيزة لإعادة بناء المجتمع. غير أن إعادة البناء الحقيقية تبدأ من مراجعة المسار السياسي، وتمكين القوى النقابية الحية، وفي مقدمتها لجنة المعلمين، والسير في طريق استعادة ثورة ديسمبر كأفق للتحرر والدولة المدنية الديمقراطية.



