الأعمدة

والي جنوب كردفان،، الصمود الذي تحوّل إلى رسالة

.من لا يشكر الناس لا يشكر الله، بهذه الحكمة الراسخة، وبهذا الميزان الأخلاقي الذي يضع الأمور في نصابها، يصبح تناول صمود والي ولاية جنوب كردفان الأستاذ محمد إبراهيم عبد الكريم حديثاً واجباً قبل أن يكون ترفَ رأي، ذلك أن مدينة كادقلي وبعد أن تنفّست الصُعداء، وانفرجت أساريرها بدخول القوات المسلحة والتشكيلات المساندة لها، وما ترتب على ذلك من انكسار طوق الحصار، وانهيار الأسعار، وسرت الحياة في جسد المدينة المنهك؛ كان لزاماً علينا وقد رفعنا القبعات تحيةً للمؤسسة العسكرية ورجالها، أن نلتفت إلى رجلٍ ظل واقفاً في مرمى النار، ثابتاً في قلب العاصفة، هو والي جنوب كردفان الأستاذ محمد إبراهيم عبد الكريم.

فمنذ اندلاع تمرد ميليشيا الدعم السريع في الخامس عشر من أبريل 2023م، ظلت مدينة كادقلي ترزح تحت وطأة حصار خانق، وقصفٍ متكرر بالدانات والمُسيَّرات، وتهديدٍ يوميّ للحياة، وفي قلب هذا المشهد القاسي، ظل الوالي مرابطاً في عاصمة ولايته، لم يغادرها، ولم يبحث عن ملاذٍ آمن، رغم أن علاقته بجنوب كردفان – إقليم جبال النوبة – لا تتجاوز حدود التكليف الوظيفي، لكنه اختار أن يجعل من الوظيفة موقفاً، ومن التكليف رسالة، ومن البقاء فعلَ انتماءٍ إنساني وأخلاقي.

لم يكن الطريق مفروشاً بالتصفيق ولا بالورود، فقد واجه الوالي حملات تشكيكٍ قاسية، ومحاولات منظمة لقتل شخصيته، واتهامات بالضعف والفشل، في وقتٍ كان يقود فيه دفة العمل التنفيذي بأدوات شحيحة، وموارد شبه معدومة، ودون أن يتقاضى راتباً لأكثر من ستة أشهر منذ اندلاع الحرب، ومع ذلك، ظل قابضاً على جمر القضية، يلوك الصبر، ويقدّم درساً عملياً في معنى المسؤولية العامة حين تُعرّى من الامتيازات وتُختبر في لحظات الخطر.

لقد استهدفت النيران مقر إقامته، ونالت الصواريخ من أمانة الحكومة حيث يقع مكتبه، ودنَت المُسيَّرات من مكان وجوده، لكن عين العناية الإلهية كانت حاضرة، ليواصل الوالي أداء دوره، لا بصفته مسؤولاً إدارياً فحسب، بل بوصفه رمزاً معنوياً لثبات الدولة في واحدة من أعقد ساحات الحرب، وكان لهذا الثبات أثرٌ بالغ في نفوس مواطني كادقلي، الذين رأوا في بقاء الوالي بينهم رسالة طمأنة، ودافعاً للصمود، وبرهاناً على أن المدينة لم تُترك لمصيرها.

إن تجربة والي جنوب كردفان لا تقل في دلالاتها عن تجربة والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، وإن اختلفت الطبيعة الجيوسياسية بين الخرطوم وجنوب كردفان، فكلاهما قدّم نموذجاً لوالي الحرب: والي الميدان، والي الصبر، والي الإدارة تحت النار، غير أن خصوصية جنوب كردفان، بتضاريسها وتعقيداتها التاريخية والأمنية، تجعل من صمود محمد إبراهيم عبد الكريم تجربةً جديرة بالتأمل والاحتفاء.

اليوم، ومع عودة الحياة تدريجياً إلى كادقلي، كان الوالي في السوق يتفقد المواطنين، ويتابع انسياب البضائع، ويبعث رسالة للمواطنين أن تكاتفوا، وتوافقوا، واصطفوا على كلمة سواء، إن مثل هذه المواقف لابد وأن تُكتب في سجل الشرف الإداري، وأن يُقال بوضوح: إن صمود الوالي لم يكن حدثاً عابراً، بل كان أحد أعمدة تماسك ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، وكان جزءاً أصيلاً من معادلة الصبر الجماعي التي أنقذت المدينة من الانهيار، تحيةً لواليٍ اختار البقاء حين كان الرحيل أسهل، واختار الصمت العملي حين علا الضجيج، وقدّم نموذجاً يقول، بلا خطبٍ ولا شعارات: هكذا تُدار الولايات في زمن المحن.

زر الذهاب إلى الأعلى