الأعمدة

قراءة تحليلية في ترقيات سلطة الطيران المدني..بين مشروعية القرار وأثره المؤسسي

كتب:إبراهيم عدلان
أثارت الترقيات الأخيرة داخل سلطة الطيران المدني تساؤلات مهنية مشروعة، لا اعتراضًا على مبدأ الترقية ذاته، بل انطلاقًا من الحرص على العدالة المؤسسية، وسلامة المعايير، وحماية ثقافة السلامة داخل منظومة تُعد من أكثر قطاعات الدولة حساسية.
القضية ليست أشخاصًا، وإنما منهج، خاصة في ظل ظرف وطني غير مسبوق.
أولاً: السياق الوطني الاستثنائي
تمر البلاد بفترة بالغة التعقيد، تميزت باضطراب مؤسسات الدولة، وتعطل مرافق حيوية، وابتعاد عدد كبير من المنسوبين عن مواقع عملهم لفترات طويلة بسبب ظروف قاهرة لا يد لهم فيها.
هذا الواقع لا يمكن تجاهله عند الحديث عن الترقيات.
فحين يغيب الموظف قسرًا عن موقعه لأشهر أو سنوات نتيجة الحرب أو النزوح أو توقف النشاط، فإن مفهوم “الأداء” نفسه يصبح محل إشكال موضوعي، ناهيك عن تقارير رصده وتقييمه.
وبالتالي فإن السؤال الجوهري يصبح:
على أي أداء استندت الترقيات، في ظل انعدام الأداء الفعلي لدى قطاعات واسعة بسبب الظروف العامة؟
إن تقييمًا لا يراعي السياق الوطني قد يُنتج مفارقات غير عادلة، حتى وإن كانت النية حسنة.
ثانياً: إشكالية التوقيت والمعايير
الترقية في مؤسسة رقابية بحجم سلطة الطيران المدني لا تُعد إجراءً إداريًا عابرًا، بل قرارًا يعيد تشكيل التوازن الداخلي.
وفي ظل:
• غياب تقارير أداء منتظمة لسنوات
• تعطل أدوات التقييم المؤسسي
• ابتعاد كثيرين قسرًا عن مواقع العمل
• غياب توصيف وظيفي محدث في بعض القطاعات
فإن مشروعية المفاضلة تصبح محل تساؤل مهني موضوعي.
الأقدمية وحدها لا تكفي،
كما أن “الحضور الظرفي” لا ينبغي أن يتحول إلى معيار تفضيل غير معلن.
العدالة المؤسسية تقتضي مساواة من غاب قسرًا بمن حضر اضطرارًا.
ثالثاً: تجاوز قطاع يُمثل حائط الأمان الأول
من أكثر النقاط حساسية هو تجاوز قطاع يمثل خط الدفاع الأول عن سلامة وأمن الطيران، دون بيان توضيحي أو خطاب طمأنة.
وفي مؤسسة رقابية، فإن الرمزية لا تقل أهمية عن القرار نفسه.
إذا كانت هناك إعادة هيكلة مرتقبة، فإن المطلوب كان بيانًا واضحًا يؤكد:
• أن التأجيل تنظيمي لا تقييمي
• أن القطاع سيُعالج فور اكتمال هيكلته
• أن العدالة ستتحقق بإطار زمني محدد
غياب هذا التوضيح خلق أثرًا نفسيًا عميقًا داخل صفوف من يمثلون حائط الأمان الأول للسلامة.
رابعاً: الأثر النفسي وثقافة السلامة
القرارات في مؤسسات السلامة لا تُقاس فقط بآثارها الإدارية، بل بآثارها المعنوية.
في ظرف وطني ضاغط، ومع شعور عام بعدم الاستقرار، تصبح الحاجة إلى العدالة والشفافية مضاعفة.
تجاوز قطاعات حيوية أو عدم توضيح الأسس قد يؤدي إلى:
• إحباط مهني
• شعور بعدم التقدير
• تراجع الثقة في القيادة
• اهتزاز في ثقافة السلامة
وثقافة السلامة تقوم على الثقة والإنصاف، لا على الغموض.
خامساً: الأثر على زملاء الأمس في شركة المطارات
لا يمكن فصل هذه الترقيات عن واقع بقية مكونات المنظومة، خاصة شركة المطارات، حيث يعاني كثير من العاملين من تأخر المستحقات وضغوط معيشية حادة.
في ظل هذا الواقع، تبدو الصورة متباينة داخل قطاع واحد، حتى وإن كانت المؤسسات منفصلة إداريًا.
في أوقات الأزمات، المطلوب ليس فقط عدالة داخل كل مؤسسة، بل إحساس عام بالتوازن داخل القطاع ككل.
المسألة ليست رفضًا للترقيات،
ولا اعتراضًا على أشخاص،
بل مطالبة بمنهج واضح يراعي:
• السياق الوطني الاستثنائي
• غياب الأداء الفعلي نتيجة الظروف القاهرة
• العدالة بين من حضر ومن غاب قسرًا
• التوازن بين قطاعات المنظومة
• الحفاظ على ثقافة السلامة
فالترقية حق عندما تُبنى على معيار موضوعي عادل.
أما في ظل غياب الأداء الموثق والسياق المستقر، فإن أي قرار يحتاج إلى شفافية مضاعفة حتى لا يُفهم على غير مقصده.
وفي مؤسسة بحساسية سلطة الطيران المدني،
فإن العدالة المرئية لا تقل أهمية عن القرار نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى