
عبد الكريم البليخ
كثير ممن حملوا شرارة الإبداع في أرواحهم، من أدباء ومثقفين، نقاد، صحفيين، شعراء، أطباء، مهندسين، محامين، فنانين تشكيليين، وعاشقين للحرف، لكنهم وُلِدوا في جغرافيا مثقلة بالقهر، تحت سماء مكفهرة يظلّلها الخوف، وعلى أرض تتشقق من وطأة الاستبداد. عاشوا عقوداً تحت هذا السقف المنخفض، حيث الهواء ملوّث بصوت الرقيب، والكلمات تخشى أن تولد حرة، فتنمو مشوّهة أو تموت في المهد!
لكن حين أفلتوا من قبضة تلك القيود، ظنوا أنهم نالوا حريتهم، فإذا بهم يكتشفون أنَّ السلاسل لم تكن في المعاصم فقط، بل امتدت إلى الفكر والروح والذاكرة. تمخضت حياتهم عن روايات وحكايات ليست مجرد سرد لأحداث الهروب أو تأريخ لرحلات المنافي، بل كانت بوحاً متأخراً عن معاناة تعفّنَت في الصدور، عن جراح ظلت تُنكأ كلما خطّوا حرفاً جديداً، عن صرخات مكتومة ظنوا أنها تلاشت، لكنها عادت تصدح على الورق.
غير أن الإبداع الحقيقي ليس مجرد تأريخ للألم، بل هو القدرة على خلخلة المسلّمات، على كشف المستور لا كمجرد فعل احتجاجي، بل كمحاولة لفهم الجذور العميقة لهذا القهر الذي شكلهم وأعاد تشكيلهم حتى بعد أن أفلتوا من قبضته. قليل منهم من امتلك الجرأة على تحويل هذه المواجع إلى أدب صادق، لأن من وُلِد في قوقعة الخوف، وتجرّع مرارتها حتى شابت أحلامه قبل شعر رأسه، يصعب عليه أن يكتب دون أن يكون جزءاً من تلك الهيمنة التي فرّ منها. فهو محكومٌ بها، حتى حين يعتقد أنه تجاوزها.
إنه لأمر شاق أن تحاول الكتابة عن شيء كنت تخاف حتى من مجرد التفكير فيه يوماً. فهل يملك من عاش عمره متخفياً وراء ظله أن يخلع هذا القناع بسهولة؟ هل يستطيع أن يُبدع بصدق، أم أن إبداعه سيظل مشوباً بقلق النجاة، بحذر القديم، وببقايا الخوف المتغلغل في تفاصيل الروح؟
ربما لهذا السبب، يظل الأدب العظيم هو ذلك الذي لا يُهادن، لا يسعى إلى مواساة القارئ ولا إلى استرضاء السلطة، بل يضع اليد على الجرح بلا تردد، يحفر عميقاً في صلب الحقيقة، ويجعل من كل كلمة مرآة نرى فيها وجوهنا، بكل ما تحمله من ألم وخوف ورجاء.



