الأعمدة

حميدي يكشف عن وصوله إلى كمبالا بطلب من الحكومة الأوغندية لمناقشة وساطة قيل في تسريبات لاحقة إن مالك عقار تقدم بها،

ما لفت الانتباه في خطاب حميدتي امام مجموعة من السودانيين في كمبالا ليس مضمون ما قاله، بل الطريقة التي حاول بها إعادة رسم المشهد السياسي حوله. حديثه عن وصوله إلى كمبالا بطلب من الحكومة الأوغندية لمناقشة وساطة قيل في تسريبات لاحقة إن مالك عقار تقدم بها، يكشف قدراً هائلاً من الارتباك والتناقض في مواقف أطراف الحرب، لا يقل خطورة عن الرصاص المتطاير في الميدان.
حميدتي، الذي قاد واحدة من أكثر المليشيات دموية في تاريخ السودان الحديث، يسعى اليوم إلى الظهور بزيّ السياسي المنفتح على السلام، مستخدماً مفردات الوساطة والدعوات الإقليمية. لكن هذه القفزة الخطابية لا تستطيع أن تخفي حقيقة بسيطة: من أشترك في الحرب وارتكب الفظائع لا يمكنه أن يقدّم نفسه فجأة كرسول سلام، ما لم يكن الهدف هو كسب شرعية سياسية مفقودة، لا إنهاء معاناة شعب.
في المقابل، تبدو حكومة بورتسودان غارقة في تناقض لا يقل فجاجة. فمنذ اندلاع الحرب، لم يصدر عن قادتها سوى خطاب صلب يرفض أي حل سياسي، ويشيطن التفاوض، ويتعامل مع الدعوات للسلام باعتبارها مؤامرة أو خيانة. ومع ذلك، نسمع اليوم عن طلب وساطة عبر أطراف إقليمية، وبوابتها أوغندا. هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف لسلطة ظلت تضع العراقيل أمام كل جهد حقيقي لإنهاء الحرب أن تطلب وساطة ؟
الإجابة، على الأرجح، لا علاقة لها بالسلام. ما يجري هو إدارة للأزمة لا حل لها، ومناورة سياسية تهدف إلى تخفيف الضغط الدولي، وشراء الوقت، وإعادة ترتيب المواقف دون الاعتراف الصريح بالفشل. حكومة ترفض التفاوض علناً، لكنها تبحث عنه سراً، لا تفعل ذلك بدافع الشجاعة السياسية، بل بدافع الضرورة.
أما الزج باسم مالك عقار في هذا السياق، فيضعه هو الآخر في موضع إشكالي. فالسعي إلى فتح نافذة وساطة عبر سلطة تعلن رفضها للحلول السياسية، لا يبدو كخطوة جريئة نحو السلام بقدر ما هو محاولة يائسة بائسة لإحداث اختراق محدود داخل جدار مغلق. وفي النهاية، تصبح المبادرة – إن صحت – مجرد تفصيل في لعبة أكبر، لا يملك صاحبها التحكم في مسارها.
المشهد في مجمله كاشف ومؤلم: قائد مليشيا يناور ليغسل صورته، وسلطة أمر واقع تناور لتُبقي الحرب تحت السيطرة لا لتوقفها. وبين هذا وذاك، يظل السلام الحقيقي غائباً، لأن أياً من الطرفين لا يتعامل معه كخيار أخلاقي وسياسي، بل كورقة تكتيكية.
في حرب السودان، لم تعد المشكلة في غياب المبادرات، بل في غياب الصدق. وحين يصبح السلام أداة للمناورة، لا غاية للإنقاذ، فإن النتيجة واحدة: إطالة أمد الحرب، وتعميق المأساة، وخذلان شعب لا يطلب أكثر من نهاية حقيقية لهذا العبث.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar

زر الذهاب إلى الأعلى