الأخبار

توقد شمعتها الثالثة وسط نجاحات، وانتظار تحديات،،

عامان من نار، تعلمت خلالهما الكرامة كيف تمشي فوق الجمر..

الكرامة،، الصحيفة الموقف..

ساندت الجيش، وفضحت جرائم الميليشيا، وكشفت تآمر الإمارات..

أصبحت وثيقة معتمدة في مجلس الأمن الدولي في تجربة نادرة الحدوث..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

لم يكن احتفال صحيفة الكرامة بدخول عامها الثالث احتفالاً في قاعةٍ فخمة، ولا أمسيةً تُضاء فيها الشموع وتُلقى الكلمات؛ بل كان احتفالاً رمزياً على صفحاتها ذاتها، حيث اعتادت أن تجعل من الحبر منصةً للمعنى، ومن الشاشة ساحةً للوفاء، أطفأت شمعتها الثانية بهدوء الواثق، لا بضجيج المناسبات، وأعلنت بدء عامها الثالث كما أعلنت ميلادها أول مرة بالكلمة، عامان مرا كأنهما دهور في حساب الصحافة السودانية، لكنها خلالهما استطاعت أن تنتزع مكانتها صحيفةً إلكترونيةً أولى، تتقدم الصفوف بثقة، وتحتل موضعها في قلوب قرائها الذين ينتظرونها كل صباح انتظار الظامئ للغيث؛ فإن تأخرت دقائق معدودة، انهالت الأسئلة: أين الكرامة؟، لقد وُلدت الكرامة بأسنانها وشقت طريقها وسط العواصف، وتعلّمت أن تكون حاضرة في لحظة الخطر قبل لحظة الخبر، وأن تحوّل الألم العام إلى رسالة، والنبض الشعبي إلى عنوان رئيس.

من مقهى إلى منصة وطن:
بدأت الحكاية في المنفى الاختياري القسري، في جمهورية مصر العربية، حيث اجتمع نفرٌ من الصحفيين السودانيين جمعتهم الغربة واللجوء، كانوا يلتقون يومياً في أحد المقاهي يتفقدون أحوال بعضهم البعض، ويتبادلون أخبار الحرب ووجع البلاد، كان السؤال أكبر من الجلسة، وأعمق من فنجان القهوة: ماذا يمكن أن نفعل للوطن ونحن بعيدون عنه؟ كان لدى الصحفي محمد عبد القادر فكرة تأسيس صحيفة داعمة للقوات المسلحة، تتيح للصحفيين أن يلتزموا خندق الدفاع عن الوطن، جنباً إلى جنب مع قواتهم المسلحة والقوات المساندة لها.
وتبلورت الفكرة إلى اسم “الكرامة”، تماهياً مع مناخ الحرب الوطنية، وكان الرابع والعشرون من فبراير 2024م يوماً خالداً في تاريخ الصحافة السودانية، حين بزغ فجر الكرامة، التي ترأس مجلس إدارتها الأستاذ مرتضى ميرغني، وتولى رئاسة تحريرها الأستاذ محمد عبد القادر ، فيما تولى الأستاذ أيمن كبوش منصب المدير العام، إلى جانب جهود الاستاذ عاطف الجمصي والمدير الإداري منذر محمد حامد، وقد تقاسمت جميع هذه الاسماء مسؤولية التأسيس والصدور..
وضمت الكرامة في بداياتها كوكبة من الأسماء الباذخة في سماء الصحافة السودانية: مزمل أبو القاسم، ضياء الدين بلال، الهندي عزالدين، عادل الباز، يوسف عبد المنان، إلى جانب النواعم: سهير عبد الرحيم، أم وضاح، منى أبو زيد وغيرهم من الأسماء اللامعة التي قادت سفينة الكرامة في بداياتها مسنودين بكوكبة رائعة من المحررين والفنيين، حتى استوت الكرامة على الجودي، وقد تبنَّى تأسيسها رجل الأعمال الوطني الغيور هشام السوباط فلم يبخل عليها حتى وقفت على ساقيها صحيفة يومية مستقرة تعنى بدعم الجيش والدولة فى المعركة الوجودية ضد السودان وشعبه..

الكتابة من خندق النار:
منذ اندلاع المواجهات، اختارت الكرامة موقعها بوضوح: مع القوات المسلحة، ومع معركة الدولة ضد التمرد، لم يكن دعمها خطاباً عاطفياً، بل عملاً يومياً متصلاً، باستعراض مسار العمليات العسكرية والانتصارات الساحقة والمتلاحقة التي تحققت على ميليشيا الدعم السريع، تابعت الكرامة معارك الخرطوم، والتحام القوات في أم درمان، وتحرير الإذاعة والتلفزيون، والعبور الكبير من أم درمان إلى الخرطوم والخرطوم بحري، وفك الحصار عن القيادة العامة، والتحام سلاح المدرعات مع القيادة العامة، وصولاً إلى إعلان الخرطوم خالية من التمرد، كانت تكتب الخبر وهي تستحضر قوله تعالى: “كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ”، لا استدعاءً للوعظ، بل تثبيتاً للمعنى في وجدان أمة تخوض معركة وجود.

فضح الانتهاكات:
لم تكتفِ الكرامة بتتبع الانتصارات، بل جعلت من فضح الجرائم والانتهاكات أولوية تحريرية، وثّقت اجتياح المنازل، وتحويل الأعيان المدنية إلى ثكنات عسكرية، واستغلال المستشفيات ودور العبادة، وقطع خدمات المياه والكهرباء والاتصالات، وممارسات القتل والسحل والاغتصاب والسلب والنهب، كان حضورها لافتاً في عكس مجازر الجنينة بولاية غرب دارفور، وجرائم قرى ود النورة والشريحة بولاية الجزيرة، والانتهاكات المروِّعة في الفاشر وبارا، وحصار المواطنين وتجويعهم في كادقلي والدلنج، وفي المقابل، كانت حاضرة لنقل أفراح المواطنين بتحرير ولاية الجزيرة وسنار، ورفع الحصار عن مدينتي الدلنج وكادقلي؛ فكانت الكرامة مرآة الألم، ودفتر الفرح في آنٍ واحد.

وثيقة في مجلس الأمن:
ذهبت الكرامة أبعد من حدود التغطية المحلية، فقد فتحت ملف الدعم الخارجي الذي تتلقاه ميليشيا الدعم السريع، وكشفت الدور المحوري لدولة الإمارات في تقديم المال والعتاد والمرتزقة، إلى جانب أدوار إقليمية من دول الجوار مثل تشاد وكينيا ويوغندا وإثيوبيا وغيرها، ولعل أبرز محطات هذا المسار أن تقارير الكرامة أصبحت ضمن الأدلة المعتمدة في منضدة مجلس الأمن الدولي، في سياق الشكوى الرسمية التي قدمها السودان ضد الإمارات، فهنا تجاوزت الصحيفة دورها التقليدي إلى فاعلٍ مؤثر في تشكيل السردية الرسمية للدولة، وفي تدويل القضية على أساس وثائقي.

صحافة موقف:
وتطرح تجربة الكرامة سؤالاً استراتيجياً حول دور الصحافة الوطنية في زمن الحروب، هل تكون الصحافة محايدة إزاء تهديد وجود الدولة؟ أم أن الانحياز للوطن يصبح خياراً أخلاقياً؟ الكرامة اختارت بوضوح أن تكون صحافة موقف، لا صحافة مسافة، رأت أن المعركة ليست بين طرفين سياسيين، بل بين دولة ومحاور إقليمية ودولية تستهدف ثرواتها مواردها وقبل ذلك إنسانها، فتبنت الكرامة خطاباً داعماً لمؤسسات الدولة، مع تركيز مكثف على التوثيق والرصد والتحليل، ويجمع مراقبون على أن نموذج الكرامة يعيد الاعتبار لفكرة (الصحافة الوطنية) التي تتماهى مع قضايا شعبها، دون أن تتخلى عن أدوات المهنية: التحقق، والتوثيق، وبناء السرد المدعوم بالوقائع، وبهذه الأدوات أسهمت الكرامة في ترميم الثقة بين الجمهور والإعلام، حين شعر القارئ أن الصحيفة تعبر عن وجدانه، لا عن أجندة عابرة للحدود.

من التحرير إلى الإعمار:
واليوم، وهي تدخل عامها الثالث، تبدو الكرامة أمام أفق جديد، تغييرات فنية ومهنية وإدارية تُبشّر بمرحلة أكثر نضجاً واتساعاً، فإذا كانت قد أدت دورها في مرحلة الحرب، فإن التوقعات تشير إلى حضور أكبر في ملحمة إعادة إعمار السودان، ورصد تحولات ما بعد الحرب، ومساءلة الأداء، وتعزيز خطاب الوحدة الوطنية، لقد كانت الكرامة في عاميها الأولين صوتاً في زمن الرصاص، ومنبراً في زمن الضجيج، ودفتر توثيق في زمن الفوضى، والكرامة اليوم مدعوة لأن تكون كذلك في زمن البناء؛ لأن الوطن الذي خاض معركة الكرامة، يحتاج إلى صحافة تحفظ كرامته في السلم كما حفظتها في الحرب، وهكذا تمضي الكرامة إلى عامها الثالث، لا كشمعةٍ جديدة تُضاء، بل كقنديلٍ تعلّم كيف يواجه الريح… ويظل مشتعلاً.

زر الذهاب إلى الأعلى