الأعمدة

صداقة بلا جذور

عبد الكريم البليخ
هل يمكن أن تكون الصداقات مؤذية؟
سؤالٌ يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يضمر في أعماقه قلقاً إنسانياً قديماً، قلقاً يتصل بحاجتنا إلى الآخر، وخوفنا منه في آنٍ معاً. فالغصن لا يحلو بلا طير؛ لا سيما أن وجود الطائر يمنحه معنى، كما تمنحنا العلاقات شعوراً بالاكتمال. غير أن الطائر، على جمال صوته وألوانه، يقف فوق الغصن مرتجفاً، يختزن في جناحيه خوفاً من سهمٍ غادر!.
هو كائن يوقظ فينا الحب والحرية والأنس، لكنه أيضاً هشّ، معرّض للاقتناص في أية لحظة. كذلك نحن، حين نعتلي أغصان العلاقات، نظن أننا في مأمن، بينما الخطر قد يتخفّى في بسمةٍ عابرة أو كلمةٍ لم تُمحَّص!.
ليست المشكلة في الثقة ذاتها، بل في عجلتها. أن نمنح أرواحنا دفعةً واحدة لمن لا نعرف إلا ظلاله، أن نكشف ما استقر في وجداننا وذاكرتنا لإنسانٍ لم يمكث في حياتنا سوى ساعة، فذلك ضربٌ من المجازفة النفسية. فالعلاقات، كالأشجار، لا تنمو بالصوت المرتفع ولا بالوعود المتدفقة، بل بالتدرج، وباختبار الفصول وتقلباتها.
كم من علاقةٍ بدأت بصراحةٍ مفرطة، وثقةٍ غامرة، وانتهت بجرحٍ عميق لأننا لم نسأل: ما الذي يريده الآخر حقاً؟ هل يسعى إلى مشاركة متوازنة، أم إلى مصلحةٍ تتضخم على حساب صبرنا وتغافلنا؟ إن التهاون عن الزلات، وتلبية الطلبات دون مساءلة، بدعوى الحفاظ على الود، قد يحوّل الصداقة إلى علاقة مختلّة، يغيب فيها التكافؤ ويعلو فيها استغلالٌ صامت.
في زمن السرعة، نرغب في صداقاتٍ فورية، كأنها منتجات جاهزة. غير أن ما يُبنى على استعجالٍ، يَظل معلقاً على حافة السقوط. لذلك، ليس التريث بروداً، ولا الحذر قسوة، بل هو احترامٌ للذات وللآخر معاً. فالصداقة الحقة لا تؤذي، لأنها تقوم على وعيٍ متبادل وحدودٍ واضحة. أما ما عداها، فقد يكون طائراً جميلاً، لكن جناحيه يخفيان احتمال الرحيل أو الجرح.

زر الذهاب إلى الأعلى