بقلم: حسن عبد الرضي
في لحظة وطنية بالغة التعقيد، يأتي بيان لجنة المعلمين السودانيين حول قرار حكومة الأمر الواقع بمدينة نيالا بتشكيل لجنة عليا لامتحانات الشهادة الثانوية ليضع إصبعه على جرحٍ مفتوح في جسد الدولة السودانية: خطر تسييس التعليم وتحويله من رافعة للوحدة إلى أداة لترسيخ الانقسام. إن البيان لا يكتفي برصد الخلل، بل يقدّم رؤية وطنية مسؤولة تُعلي من قيمة التعليم بوصفه شأناً سيادياً قومياً لا يجوز تجزئته أو إخضاعه لموازين القوة العسكرية.
لقد أصاب البيان حين ربط بين تعدد مراكز القرار في ملف امتحانات الشهادة الثانوية وبين تهديد وحدة الدولة. فالشهادة الثانوية ليست إجراءً إدارياً محلياً، بل عقد ثقة بين الدولة ومواطنيها، يضمن تكافؤ الفرص والاعتراف المتبادل بالمؤهلات داخل الوطن وخارجه. أي مساس بوحدتها ومعاييرها يفتح الباب أمام فوضى تعليمية تكرّس واقع “الدول داخل الدولة”، وتزرع الشك في عدالة المنظومة التعليمية ونزاهتها.
كما يحسب للبيان أنه لم يقف عند التشخيص، بل دعا إلى مخرج عملي: تشكيل لجنة قومية مستقلة ومحايدة تضم خبرات تربوية مشهوداً لها بالكفاءة، تتولى تنسيق الامتحانات على مستوى السودان كله بعيداً عن الاستقطاب السياسي والعسكري. هذه الدعوة تعكس فهماً عميقاً لوظيفة التعليم في أزمنة النزاع: ليس مجرد خدمة عامة، بل ركيزة للاستقرار الاجتماعي وإعادة بناء الثقة بين مكوّنات الوطن. فحين يتفق المتخاصمون على حماية حق الطلاب في امتحان قومي واحد، فإنهم يرسلون رسالة ضمنية بأن مستقبل البلاد أهم من مكاسب اللحظة.
وتتبدى قوة الحجة أيضاً في المقارنة التي أوردها البيان بشأن إمكان التوافق العملي بين سلطات الأمر الواقع في ملفات حيوية أخرى، ما يعني أن الاتفاق على تحييد التعليم ليس مستحيلاً إذا توفرت الإرادة. بل إن تحييد التعليم أولى وأجدر، لأن كلفة تسييسه لا تُقاس بالخسائر المادية وحدها، بل بضياع فرص أجيال كاملة، وبدفع الشباب إلى هوامش الإحباط التي تُغذّي دورات العنف.
إن دعم هذا البيان واجب وطني وأخلاقي. فالمعلمون، بما يمثلونه من ضمير مهني، يرفعون صوتهم دفاعاً عن حق الطلاب في تعليم عادل وشهادة قومية موحدة، ويذكّرون بأن الامتحانات يمكن أن تكون جسراً للسلام لا وقوداً للحرب. وعليه، فإن تبني مقترح اللجنة القومية المستقلة، وتحويله إلى توافق وطني عملي، يُعد خطوة أولى في مسار طويل لإعادة الاعتبار للدولة ووحدة مؤسساتها.
خلاصة القول: إن بيان لجنة المعلمين السودانيين وثيقة موقف ومسؤولية، تُعيد ترتيب الأولويات في زمن الفوضى، وتضع التعليم في مكانه الصحيح: خارج ساحات الصراع، وفي قلب مشروع إنقاذ الوطن. دعم هذا التوجه ليس انحيازاً لطرف، بل انحيازٌ لمستقبل السودان ولحق أبنائه في أن يجلسوا لامتحان قومي واحد، يعبّر عن وطنٍ واحد.



