
اذا كانت عجايب الدنيا عرفت بانها سبع فلا ادري كم تكون عجايب السياسة السودانية، فالمشهد برمته فى التعاطي مع حجم المأساة تجاوز مرحلة وصفه بالعبثية و على رأس هذا المشهد جوقة من العاهات السياسية التى تمتلك من الشجاعة الأدبية بجهلها ما تحسد عليه.
اما احدي عجائب السياسة هى ان بقايا الاتقاذ و حلفائهم الجدد من دعاة الحرب تحت غطاء الدفاع عن الدولة و هزيمة الامبريالية الوسيطة ليس فقط صدقوا اننا نعيش فى عالم ما بعد الحقيقة بل مضوا لاعادة كتابة تاريخ شهدناه و مازلنا أحياء الا اذا كانوا قد قتلونا دون ان نعي، فبعضهم يتأفف من ذكر حقيقة انه كان هناك نظام اسلامي اتى للسلطة بانقلاب فى ١٩٨٩ و كان مشروعه اقامة ارادة الله فى الارض بكافة اشكال التسلط، و ظل هذا النظام فى حالة عداء مع الغرب و كل المنظومة الدولية، و مازالت أحاديث تحت جزمتي و الحس كوعك شاخصة فى الذاكرة كما ضل الضحي او برنامج عالم الرياضة فى نهار رمضاني حار، فكيف لمن رفضوا العدالة و طردوا المنظمات الدولية و سجنوا النساء ان يرسلوا وفدين (والله جادي) لجنيف للمشاركة فى دورة مجلس حقوق الانسان و لا يتورعون فى المطالبة باحالة جرائم الدعم السريع للمحكمة الجنائية و هي نفس المحكمة التى يرفضون تسليمها متهمين منذ اكثر من عقدين و على رأسهم البشير و احمد هارون و عبد الرحيم محمد حسين. قولوا لي بربكم كيف لمن رفضوا كل المنظومة الدولية و ظلوا يعادونها حتى لحظة انهيار نظامهم ان يتحولوا بين ليلة و ضحاها الى دعاة حماية حقوق الانسان و صيانة الحريات؟ لكنها بالفعل عجايب السياسة السودانية ان تقول اي شيء و ان تفعل الشيء و نقيضه و لا غبار عليك بل كما قال بعضهم انهم مستعدون لاستعادة الدعم السربع و توظيفه لارتكاب نفس هذه الجرائم تحت مظلة حكمهم لانه حينها بلح رطب و عنب يسر الناظرين و ما يقوم به حينها مجرد سياسة دولة حتى و ان كانت قتل و سحل و اغتصاب و ابادة جماعية و جرائم حرب و جرائم ضد الانسانية، كل هذا و هناك من لا يري غرابة فى الأمر، و يا للبجاحة!!
ثم ان احدي العجائب فى امر السياسة السودانية ايضا تتمثل فى محاولة البعض نكران ان نظام الانقاذ كان مشروعا رساليا جهاديا حيث كانت كوادر حماس تدرس فى جامعة الخرطوم و ياكلون افضل الطعام حينما كنا نبيت “القوى” و هي نفس الجماعة التى استجلبت بن لادن الى السودان و بالفعل دعمت حماس بالسلاح و قد تم ضرب احد كونفويات توريد السلاح فى بورتسودان بغارة جوية اسرائيلية، و علاقة الانقاذ بايران و بكل المتطرفين فى العالم و تعاون جهاز امن البشير مع المخابرات الأمريكية بل و تجسسهم على المنطقة، كلها حقائق مثبتة و مازالت ماثلة امامنا، كون ان خالد تحدث عنها فى اطار شرح رؤيته لطبيعة المشاريع التى تتخفي خلف الحرب هذا أمر اكثر من عادي و كلنا نتحدث عنه بطرق مختلفة و في سياقات مختلفة و لا يعني بأي حال تحريش الغرب على السودان و كأنما ان العصابة الحاكمة التى تدعي انها الدولة هي فعلا الدولة، السودان ليس جوقة المتنفذين من أمراء الحرب و عصابة الكارتيلات، و كأنما الغرب بهذا الغباء و هذه السذاجة!!!
الأجدي لكل السودانيين من دعاة حماية الدولة و حلفائهم من تجار الحروب و داعميهم و معسكر تأسيس و دعاة اعادة بناء الدولة و الاغلبية الصامتة الرافضة للحرب ان نأتي الى كلمة سواء لايقاف الحرب و استعادة مدنية الفضاء العام و انهاء ظاهرة عسكرة الحياة السياسية باحياء لغة السياسة وهى الحوار و تحييد السلاح و تجريده من كونه وسيلة لخلق مشروعية سياسية بسبب الحرب، و لاجتراح تفاهمات اجتماعية و سياسية تؤسس لرؤية و برنامج للعدالة الانتقالية و اليات لمحاسبة الجناة و فتح افق البلاد و قلبها نحو مستقبل للعيش المشترك و تبادل المنافع، هذا طريق معقد و شائك نحو التعافي الاجتماعي لكنه الطريق الأوحد لاستعادة الحياة، فاستمرار الحرب لن يحمي الدولة و لن ينهي دولة ٥٦ بل سيمكن الخارج من أمر البلاد بالكامل و سيحول السودان الى ساحة حرب اقليمية حول مياه النيل و البحر الأحمر والى فضاء لصراع نفوذ جيوسياسي معقد لا طائل لنا به، و اذا وصلنا الى هذه المرحلة سوف لن يكون للسودانيين دور جوهري في ايقاف موتهم حتى اذا ما ارادوا ذلك و سوف لن يكون هناك اي حل لازمتنا الوطنية الا فى اطار معادلة اقليمية شاملة و معقدة تتطلب تنازلات و تقسيم أدوار و توزبع غنائم، و المؤكد انه سيطول امر الوصول اليها لتعدد الاطراف و تضارب المصالح و تشابك مراكز القوي و النفوذ فى ظل تراجع و ضعف و تاكل النظام العالمي الموروث من الحرب العالمية الثاتية و ما تلاها. مازال الامر بيدنا اذا ادركنا عمق الهاوية و سوء القادم، فهلا فعلنا؟



