
*مهندس- عمار حامد العوض*
في صباح يوم الإثنين 23 فبراير 2026، وقف خالد عمر يوسف، وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني السابق ونائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف “صمود”، أمام مقر حزب الشعب الأوروبي في بروكسل، ليُلقي كلمة يقدم فيها شرحاً لما يدور في السودان ومعبراً عن رؤية تحالف صمود لإنهاء الحرب الدائرة منذ أبريل ٢٠٢٣. لم يكن الخطاب مجرد استعراض لأرقام الكارثة الإنسانية، رغم فداحتها (أكثر من 25 مليون محتاج للمساعدة و14 مليون نازح)، بل كان تشخيصاً جريئاً لجذور الحرب المشتعلة في السودان منذ أبريل 2023، مشيراً بأصابع الاتهام إلى جماعة الإخوان المسلمين بوصفها القوة المحركة لـ”ثورة مضادة” تسعى لإعادة البلاد إلى عهد الظلام، وإلى النظام الإيراني بوصفه الداعم الأكبر لهذا المشروع التدميري.
وكما هو متوقع، قوبل هذا الخطاب بموجة هجوم شرسة من أبواق الإسلام السياسي، التي لجأت إلى قاموسها المعتاد من اتهامات “العمالة” و”الخيانة”، في محاولة يائسة لتشويه الحقائق وطمس الأدلة. غير أن الوقائع والتقارير الدولية تقف بصلابة في صف ما قاله خالد، وتكشف عن حجم التضليل الذي يمارسه خصومه.
إن أول ما يلجأ إليه أنصار الأيديولوجيات الشمولية عند مواجهة الحقيقة هو اغتيال شخصية حاملها. فقد وصف أحمد شموخ، في مقال نُشر على صفحة ST Online، خالدَ عمر يوسف بـ”العميل سلك”، وزعم أنه “يطوف البلدان والعواصم بتمويل وحماية من شبكات شيطان العرب السياسية والإعلامية التي بنتها أبوظبي”، وأن هدفه هو “ربط السودان بالتدليس مع كل المصائب التي تحدث لأوروبا وأمريكا وإسرائيل”، واتهمه بـ”استجداء قصف أمريكي وإسرائيلي لقواعد الجيش” وهذه الاتهامات، على فجاجتها، تكشف عن أزمة حقيقية لدى مُطلقيها، لا لدى من تُوجَّه إليه.
فالذين يتهمون يوسف بالعمالة هم أنفسهم من أعلنوا ولاءهم لمحور إقليمي آخر بلا مواربة. ففي 28 فبراير 2026، أي بعد أيام قليلة من خطاب بروكسل، أعلنت الحركة الإسلامية في السودان بشكل علني تأييدها للضربات الإيرانية على دول الخليج. هذا الموقف لم يكن مفاجئاً لمن يعرف تاريخ هذه العلاقة، لكنه جاء كاعتراف صريح يؤكد كل ما قاله خالد في خطابه. فكيف يُتَّهم رجل بالكذب حين يتحدث عن علاقة الإسلاميين بإيران، بينما الإسلاميون أنفسهم يعلنونها على الملأ؟
إن خطاب خالد لم يكن دعوة للاحتلال أو استجلاباً للتدخل العسكري كما يزعمون، بل كان استغاثة لإنقاذ وطن من براثن حرب أهلية مدمرة. وقد طالب صراحة بـ”هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة”، و”حوار سياسي يقود إلى استعادة المسار المدني”، وهي مطالب لا يمكن لعاقل أن يصفها بالخيانة.
التحالف بين إسلاميي السودان و طهران والعلاقة بين الطرفين ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى ما قبل 1979، حين زار إسلاميون سودانيون الخميني في منفاه بباريس، مروراً بالتعاون العسكري في عهد البشير، ووصولاً إلى تزويد إيران للجيش السوداني بطائرات مسيرة في الحرب الحالية.
لم تنقطع العلاقة بين إيران والإسلاميين في السودان بسقوط البشير عام 2019، بل عادت لتظهر بوضوح صارخ في الحرب الحالية. فما ذكره خالد عمر يوسف عن تزويد إيران للجيش السوداني بالطائرات المسيرة ليس رأياً شخصياً أو “تدليساً” كما يزعم منتقدوه، بل حقيقة وثقتها كبرى المؤسسات الإعلامية والبحثية في العالم:
كشف تحقيق لـBBC في يونيو 2024 عن “أدلة على استخدام طائرات مسيرة إيرانية الصنع في حرب السودان”، مع صور ومقاطع فيديو تُظهر استخدام هذه المسيرات في عمليات عسكرية.
أكدت Reuters في أبريل 2024 أن “المسيرات الإيرانية المسلحة ساعدت الجيش في قلب مسار الصراع، ووقف تقدم قوات الدعم السريع واستعادة مناطق رئيسية”.
نشرت Washington Post في مارس 2025 تقريراً يؤكد أن “إيران كانت تزود الجيش السوداني بالمسيرات سراً”.
كشف موقع Iran International في أبريل 2025 عن “مسار سري لطائرة شحن تابعة للحرس الثوري الإيراني تحمل أسلحة إلى السودان”.
خلص مركز Critical Threats الأمريكي في يناير 2025 إلى أن “إيران أرسلت مسيرات لدعم الجيش السوداني أملاً في الحصول على قاعدة بحرية في البحر الأحمر”.
هذه ليست اتهامات من “عميل” كما يزعمون، بل هي حقائق موثقة من أعرق المؤسسات الإعلامية والبحثية في العالم. وعندما يخرج منتقدو خالد لنفي هذا الأمر، فهم لا يكذبون عليه فقط، بل يكذبون على الشعب السوداني والعالم بأسره.
التقارير الدولية تؤكد: الإخوان هم المشكلة
لم يكن خالد عمر يوسف وحيداً في تشخيصه لدور الإخوان في إطالة أمد الحرب. فقد توصلت تقارير دولية متعددة إلى النتيجة ذاتها:
نشرت مجلة “لو بوان” الفرنسية في فبراير 2026 تحليلاً مطولاً خلص إلى أن “تغلغل عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان داخل المؤسسة العسكرية السودانية” هو السبب الرئيسي لاستمرار الحرب. وأشار التحليل إلى وجود “بنية أمنية هجينة تجمع بين جنود نظاميين ومتطوعين ذوي خلفية أيديولوجية”، مما أضفى طابعاً أكثر تسييساً على الصراع.
كما دعت دراسة حديثة نشرها معهد “جيت ستون” الأمريكي إلى تصنيف فرع الإخوان في السودان كـ”منظمة إرهابية”، معتبرة أنه لا يمكن تحقيق السلام دون كسر سيطرتهم على مفاصل الدولة والجيش.
أما مجموعة “الرباعية” الدولية (الولايات المتحدة، الإمارات، مصر، السعودية)، فقد دعت في بيانها إلى هدنة إنسانية واستبعاد الإخوان من أي اتفاق للحكم في السودان، في اعتراف دولي واضح بأن هذه الجماعة هي عقبة السلام الأساسية.
إن هذا الإجماع الدولي على دور الإخوان التخريبي يؤكد أن ما قاله خالد في بروكسل لم يكن سوى ترجمة لما يعرفه العالم ويوثقه، لكن الإسلاميين يرفضون الاعتراف به.
إن النتيجة الكارثية لمشروع الإخوان في استعادة السلطة هي ما نراه اليوم بأم أعيننا: أكثر من 150 ألف قتيل، و12 مليون نازح ولاجئ، وانهيار اقتصادي شامل، ومجاعة تلوح في الأفق. هذا هو الثمن الذي يدفعه الشعب السوداني لأن قلة متطرفة ترفض أن تقبل بإرادة الشعب الذي لفظها في ثورة ديسمبر 2019 المجيدة.
إن الهجوم على خالد عمر يوسف هو في جوهره هجوم على الحقيقة ذاتها. فكل ما قاله في بروكسل عن العلاقة بين الإسلاميين وإيران، وعن دور الإخوان في إطالة الحرب، وعن الدعم العسكري الإيراني للجيش، قد أكدته تقارير دولية من BBC وReuters وWashington Post ومجلة “لو بوان” الفرنسية ومعهد “جيت ستون” الأمريكي. بل إن الحركة الإسلامية نفسها أكدته بإعلان تأييدها لإيران.
إن اتهام يوسف بالخيانة هو انعكاس لأزمة من يتهمونه، الذين لا يملكون في مواجهة الأدلة الدامغة سوى الشتائم والتخوين. لم يكن خطاب بروكسل خيانة، بل كان عملاً وطنياً بامتياز، يهدف إلى حماية ما تبقى من السودان، ودعوة العالم إلى تحمل مسؤولياته تجاه أكبر أزمة إنسانية على وجه الأرض.
إن المعركة الحقيقية اليوم في السودان هي بين مشروع الدولة المدنية الديمقراطية الذي يمثله أمثال خالد عمر يوسف وتحالف “صمود”، ومشروع الظلام والتبعية الذي يمثله الإخوان وحلفاؤهم. وعلى كل سوداني حر، وكل مهتم باستقرار المنطقة، أن يختار جانبه بوضوح. فالسودان لن يعود إلى الوراء، مهما حاول تجار الحرب والأيديولوجيا



