تخطت عودة الخطوط الجوية السودانية (سودانير) إلى الأجواء مرحلة الحدث الفني في جدول الطيران، إلى لحظة وجدانية مكتملة الدلالة، فبعد نحو ثلاث سنوات من الغياب القسري، عادت الطائرة لترتفع حاملةً ألوان الوطن، فارتفعت معها قلوب السودانيين في الداخل والخارج، فكان الاحتفاء بعودتها شعبياً خالصاً، لا تنظمه جهة رسمية ولا تحركه حملة دعائية، بل تصنعه ذاكرة جمعية ترى في الناقل الوطني أكثر من مجرد شركة طيران؛ ترى فيه رمزاً لسيادة الدولة، وعلامة على حضورها في فضاءات العالم.
دلالات هذا الاحتفال تتجاوز الفرح بعودة خدمة ملاحية، فـ«سودانير» في الوعي العام تختصر حكاية وطن، هي الراية التي تعبر الحدود بلا تأشيرة، وهي الاسم الذي يُنادى في المطارات فيستدعي الحنين، لذلك لم يكن غريباً أن يتحول خبر عودتها إلى مادة احتفاء في المنصات الرقمية، وإلى دعاء صادق بأن تستعيد الشركة عافيتها كاملة، لا أن تظل عودةً رمزية بطائرة يتيمة تشق السماء بإصرار.
غير أن المشهد، رغم بهجته، لا يخلو من مرارة، فالشركة ما تزال تعاني من ضعف البنيات الأساسية، ومن انعدام اللوجستيات التي تؤهلها للعمل في سوق طيران تنافسي لا يرحم، وقانون شركة الخطوط الجوية السودانية ما يزال حبيس الأدراج، وحقوقها المهنية والإدارية واللوجستية مهضومة، في وقت تحتاج فيه إلى إطار تشريعي حديث يمنحها الاستقلالية والمرونة ويصون أصولها ويحدد علاقتها بالدولة على نحو واضح وشفاف.
إن بقاء القانون معطلاً يعني بقاء الشركة في منطقة رمادية؛ لا هي مؤسسة حكومية كاملة الصلاحيات، ولا هي شركة تجارية مستقلة قادرة على اجتذاب الشراكات والاستثمارات، وفي صناعة الطيران، لا يكفي التاريخ ولا العاطفة، فالمطلوب إدارة حديثة، وبنية تحتية مؤهلة، ونظام حوكمة رشيد، ورؤية استراتيجية تضع (سودانير) في موقع تنافسي حقيقي إقليمياً ودولياً.
ومع ذلك، ورغم ضيق الإمكانات، تكتب (سودانير) فصلاً نبيلاً في كتاب المسؤولية الوطنية والاجتماعية بطائرة واحدة أطلق عليها السودانيون بمحبة اسم “عوينة أم صالح”، وبقيادة مديرها العام الكابتن مازن العوض، لم تنكفئ الشركة على ضعفها، بل انحازت إلى مبادرات إنسانية باذخة تجاه السودانيين العالقين في عدد من الدول بفعل الحرب، أجلت بعضهم مجاناً، وخفّضت أسعار التذاكر إلى حدود رمزية وحصرية، واضعةً الاعتبار الوطني فوق الحسابات التجارية الضيقة.
هنا تتجلى المفارقة: شركة بإمكانات محدودة، لكنها بإرادة واسعة؛ طائرة واحدة، لكنَّ قلباً يسع الوطن كله؛ وهذا ما يضاعف مسؤولية الدولة تجاهها؛ إذ لا يعقل أن تظل (سودانير) تحلّق بإرادة العاملين فيها وحدهم، بينما تنتظر سنداً تشريعياً ومالياً وإدارياً يعيد لها مكانتها المستحقة.
إن عودة الخطوط الجوية السودانية إلى التحليق في الأجواء المحلية والإقليمية والدولية، ليست نهاية الطريق، بل بدايته والمطلوب اليوم التفاتة جادة من الدولة، وتحديداً من رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء، لوضع ملف الخطوط الجوية السودانية في مقدمة الأولويات الوطنية، بدايةً بإجازة قانونها المنتظر، بما يضمن استقلاليتها الإدارية والمالية، ويحدد دورها كناقل وطني يعمل وفق أسس تجارية احترافية، لا كجهاز ملحق بالحكومة.
(فسودانير) ليست مجرد ناقل رسمي لحكومة السودان؛ هي رمز للوطنية، ورافعة العلم في المطارات البعيدة، لقد آن لها أن تتحرر من محبسها المحدود، وأن تنطلق إلى فضاءات العالم بحضور باهٍ عبر ( أسطول طائرات) يعكس الكفاءة والتنافسية والقدرة على البقاء، فحين تحلّق (سودانير) قويةً، يحلّق معها اسم السودان عالياً، لا بوصفه دولةً تعاني، بل وطناً ينهض كلما ظن البعض أنه انكسر.



