تقارير

الجسر الجوي السري لنظام الملالي: كيف ساهمت إيران في تغذية حرب 15 أبريل ودعم الجيش السوداني؟

(الجزء الأول)
اختراق السيادة السودانية
في قلب الأزمة الإنسانية التي يواجهها الشعب السوداني اليوم، تظهر صورة صادمة لتدخل خارجي واسع ومدمر، وعلاقات مريبة بين قيادة الجيش السوداني ونظام الملالي في إيران.
وفق تقرير مرصد النزاع الصادر في أكتوبر 2024، كشف تحقيق استقصائي شامل عن جسر جوي إيراني منظم يمد الجيش السوداني بالأسلحة والطائرات المسيّرة.
هذا التدخل الإيراني ليس مجرد دعم عابر، بل يمثل استثماراً استراتيجياً لطهران لاستغلال حالة ضعف الدولة السودانية عقب حرب 15 أبريل، مقابل حصولها على موطئ قدم حربي على ساحل البحر الأحمر.
التحليل الميداني والرقمي يشير إلى أن هذا الدعم العسكري المنهجي جاء في توقيت دقيق استغله الجيش السوداني لتعزيز قبضته على الأرض، خاصة في عمليات استخدام الطائرات المسيّرة.
إن الصورة التي تكشفها الأدلة الموثقة من الرادارات والأقمار الصناعية تؤكد أن السودان أصبح مسرحاً لتجارب عسكرية إيرانية.
انتهازية النظام الإسلامي في السودان
في تسعينيات القرن الماضي ازدهرت العلاقة بين نظام المخلوع عمر البشير وإيران، إذ قدمت طهران الخبرات التصنيعية العسكرية والتدريب التكتيكي للجيش السوداني، بما في ذلك تصنيع الصواريخ وتطوير الطائرات المسيّرة، مقابل تسهيلات لوجستية واسعة تسمح لإيران بتمكين نفوذها على ساحل البحر الأحمر ومطارات السودان الرئيسية.
في ديسمبر 2023 عاد الجيش السوداني رسمياً للتعاون مع إيران، مقدماً السيادة السودانية في السماح لإيران باستخدام أراضٍ سودانية ثمناً للحصول على تقنيات المسيّرات الحديثة وأسلحة متقدمة. إذ حصلت “صحيح السودان”، مطلع الشهر الجاري، على معلومات أفادت بأن قاعدة “فلمنغو” البحرية العسكرية وبعض خزانات البترول التابعة لشركة بشائر ببورتسودان كانت تُستخدم كمنصات مخفية لتعديل الصواريخ وتخزين وقود الطائرات، وتتبعان لمليشيا الحوثي اليمنية المدعومة من قبل إيران.
تفاصيل الدعم الإيراني
شريان الإمداد: طائرة الشحن EP-FAB:
تركز الدعم الإيراني على طائرة شحن ضخمة من نوع بوينغ 747-200، تحمل التسجيل EP-FAB، وتشغلها شركة “قشم فارس إير” (Qeshm Fars Air). هذه الطائرة والشركة المشغلة لها مشمولتان بالعقوبات الأمريكية لنقلهما أسلحة سابقاً لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
هذه الطائرة لديها مقدمة قابلة للفتح لتفريغ الحمولات الضخمة، وهي ميزة رصدتها الأقمار الصناعية عند هبوطها في مطار بورتسودان، ما يثبت الطبيعة العسكرية للشحنات ويعكس التخطيط الدقيق لتنفيذ عمليات نقل الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة إلى السودان.
نطاق الرحلات الجوية وتوقيتها
وثقت سبع رحلات جوية مؤكدة للطائرة EP-FAB بين إيران والسودان خلال الفترة بين ديسمبر 2023 ويوليو 2024، مع رحلتين إضافيتين شبه مؤكدتين للغرض نفسه. تكرار الرحلات بمعدل رحلة واحدة تقريباً كل شهر يشير إلى دعم لوجستي عبر جسر جوي استراتيجي مخصص لتعزيز قدرات الجيش السوداني.
مسار الرحلات والدلالات العسكرية
اتبعت جميع الرحلات نمطاً ثابتاً، انطلاقاً من مطار مهرآباد في طهران، مروراً بمطار بندر عباس الإيراني، ثم التوجه إلى بورتسودان عبر ساحل عُمان واليمن.
ويُعتبر مهرآباد في طهران قاعدة مزدوجة مدنية وعسكرية، تستضيف القاعدة الجوية التكتيكية الأولى للقوات الجوية الإيرانية، بالإضافة إلى مرافق صناعة الطيران العسكري.
أما مطار بندر عباس فيُعتبر مركزاً رئيسياً للنشاط البحري الإيراني وعمليات نقل وانطلاق الطائرات المسيّرة، ويشكل محطة لوجستية استراتيجية لإعادة تعبئة الوقود وفحص المعدات.
4 رحلات مؤكدة
أربع من الرحلات المؤكدة، بعد عودة الطائرة المذكورة سابقاً من بورتسودان، توجهت مباشرة إلى جزء القاعدة العسكرية داخل مهرآباد، في حين أطفأت الطائرات الثلاث الأخرى أجهزة الإرسال قبل الهبوط، وهو تكتيك متعمد لإخفاء النشاط العسكري عن الرصد الدولي، ما يعكس مستوى عالياً من الاحترافية والتخطيط العسكري الجوي الإيراني.
ظهور الأسلحة الإيرانية
أظهرت صور الأقمار الصناعية بتاريخ 9 يناير 2024 طائرة مهاجر-6 مع محطة التحكم الأرضية الخاصة بها في قاعدة وادي سيدنا الجوية شمال الخرطوم. استخدم الجيش السوداني هذه الطائرات في عمليات استعادة أراضٍ من سيطرة قوات الدعم السريع، بما في ذلك مناطق أم درمان وحي الإذاعة والتلفزيون.
كما تم رصد طائرات أبابيل-3 ومهاجر-4، إضافة إلى صواريخ صاعقة-2 مضادة للدروع في فيديوهات موثقة.
في الجزء الثاني من هذا التقرير نقدم عرضاً للتحليل العسكري الجوي للإمداد الإيراني للجيش السوداني والتقديرات المالية لذلك الجسر.

زر الذهاب إلى الأعلى