الأعمدة

حكاية صلاح الدين المصباح

عثمان ميرغني
** نقلا من كتابي “مجزرة القضاء السوداني”
مع أول يوم في رمضان 1404هـ، الموافق اليوم الأول من شهر يونيو 1984م، فوجئ المصلون في مسجد قوات الشعب المسلحة (الخرطوم أمام القيادة العامة) بالرئيس نميري، بجلبابه الأبيض الناصع والعمامة التي تزيده وقاراً وبهاءً يعتلي المنبر بعد الصلاة، ويعلن أنه قرَّر مخاطبة المواطنين كل أسبوع من خلال منبر صلاة الجمعة حتى نهاية شهر رمضان. وقال نميري: إنه يفعل ذلك تحقيقاً لمبدأ الشورى والاستماع إلى نصيحة المسلمين؛ لأن الدين النصيحة.
وفي الجمعة التالية 8 رمضان 1404ه،ـ الموافق 8 يونيو 1984م، أوفى نميري بوعده وصعد المنبر وتحدَّث في عدة قضايا عامة على رأسها تَعرُّض البلاد إلى هجمة إعلامية خارجية فسَّرها هو بأنها رد فعل على تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان، ثمَّ تحدَّث عن الزكاة وقضايا أخرى.
لكن نميري، سافر بعدها لأداء العمرة، ومكث في مكة والمدينة بضعة أيام، ومنها غادر إلى الإسكندرية فلم يتمكَّن من الصعود إلى منبر الجمعة بقية شهر رمضان.
بعد عيد الفطر المبارك بحوالى شهر، بالتحديد في يوم الجمعة 3 أغسطس 1984م، صعد الرئيس نميري، منبر الجمعة في مسجد القوات المسلحة، وتحدَّث إلى المصلين، وعندما همّ بالنزول حدثت واقعة لم تكن في الحسبان.
رجل أعمال شاب من سكان حي العمدة بأم درمان اسمه صلاح الدين المصباح المهدي، تقدَّم من الرئيس نميري وقال له: إنه ممارسةً للشورى يريد أن يتحدَّث إليه أمام المصلين.
الرئيس نميري الذي ما تعوَّد على مثل هذه المواجهة أمام عامة الناس اعتذر له وطلب منه أن يحضر إليه في مكتبه.
صلاح الدين المصباح، ذَكَّر نميري بأنه عندما ابتدر “حديث الجمعة” أعلن أن القصد منه (تحقيقاً لمبدأ الشورى، والاستماع إلى نصيحة المسلمين؛ لأن الدين النصيحة).
وأصرّ المصباح، على أن يخاطب الرئيس نميري أمام المصلين- هنا- أحاط به عناصر الأمن، وأطبقوا عليه، واقتادوه معهم وسط ذهول المصلين.
بعد اعتقاله وعند تفتيشه عُثر معه على ورقة يحملها فيها النقاط التي كان يود أن يتحدَّث عنها أمام المصلين، وجاء في إحدى هذه النقاط (إن قانون الطوارئ حطَّ كرامة المواطنين، وأعادهم إلى عهود الجاهلية الأولى، ومن الضروري رفعه، وإطلاق سراح المعتقلين، ومن بينهم الصادق المهدي، ومحمود محمد طه).
وجاء في الورقة – أيضاً- (البيعة غير صحيحة؛ لأن الشعب مقهور).
وأشار في الورقة إلى الزكاة (كيف تطلب الدولة الزكاة من شعب فقير لا يملك قوت يومه) ؟
ثم وجهت الورقة حديثاً مباشراً إلى نميري (من الضروري أن يتنحى الرئيس عن السلطة فوراً، وتسليم السلطة إلى الشعب؛ ليقوم بالحفاظ على حريته، واستقلاله، ووحدته الوطنية).
وعندما واجهت محكمة الموضوع المصباح بما ورد في الورقة التي وُجدت في جيبه لم ينكر، وقال: إنه كان (يمارس حقه في الشورى حسب الشريعة الإسلامية).
محكمة الموضوع أدانت المتهم صلاح الدين المصباح المهدي، بحيثيات (أن ما قام به المتهم من شأنه أن يسبب إخلالاً بالأمن العام. كما أن من شأن تلك العبارات إثارة الكراهية ضد الدولة ومؤسساتها ممثلة في شخص السيد رئيس الجمهورية، كما رأت المحكمة في عبارات المتهم مخالفة للتوجه الإسلامي الذي يظلل البلاد منذ عام).
وعلى هذه الحيثيات أصدر القاضي حكماً بالسجن مدة خمسة أعوام، على المتهم المصباح.
الحكم أثار دهشة وصدمة قوية لدى الشارع العام، ففي أول اختبار حقيقي لنميري في توجهه الإسلامي لم يتحمَّل مجرَّد كلمات في مكان اختاره هو ليلتقي فيه بالمواطنين ويستمع إلى النصيحة كفاحاً من أفواههم.
ولم تكن (محاكم العدالة الناجزة) في حاجة إلى إضافة مزيد من (عدم الصدقية) إلى أحكامها بمثل هذه الحيثيات التي كشفت المسافة الشاسعة بينها وكل التراث الإسلامي الذي حفظه الناس عن ظهر قلب، الإرث الأخلاقي الرفيع لمسلك الحاكم مع الرعية في القصص الكثيرة المنسوبة إلى سيدنا عمر بن الخطاب، وهو يتلقى أقسى عبارات التوبيخ والنصح من عامة الناس وعلى مرأى من الأشهاد في منبر الجمعة، بل وصلت حد الاعتراض المباشر (لا سمع ولا طاعة حتى تخبرنا من أين لك بهذا الثوب). وتعارضه امرأة أمام الناس فيتضح لعمر أنها على صواب فلا يجد أكثر من أن يعترف أمام الناس (أصابت امرأة.. وأخطأ عمر)، كل ذلك تبخَّر تماماً أمام الاختبار العملي، إذ اتضح أن مثل هذه النصيحة تعدّ (إخلالاً بالأمن)، وتكريساً للفوضى، وهتكا هيبة الدولة.
لكن قصة المصباح، لم تنتهِ هنا. رفعت محكمة الموضوع حكمها إلى (محكمة استئناف العدالة الناجزة) التي يرأسها مولانا فؤاد الأمين، وعضوية الدكتور المكاشفي الكباشي، والسيد أحمد محمد حاج نور، صدر قرار محكمة الاستئناف يوم الخميس 18 أغسطس 1984م، فأيَّدت الإدانة بنفس الحيثيات والمفردات لكنها رأت تخفيف الحكم من خمس سنوات، إلى عامين مع الجلد (80) جلدة، وقالت محكمة الاستنئاف في حيثيات حكمها:
(الإدانة وفق المواد المذكورة صحيحة للأسباب التي ذكرتها محكمة الموضوع، ولأن الطريقة التي تصرَّف بها المتهم تخالف قواعد الشرع في آداب الشورى، لأن الشورى لا تعني الفوضى، ولا تعني عدم احترام السلطة، دعك من التعرُّض إلى رئيس الدولة بالإساءة).
وفي شرحها لأسباب إضافتها عقوبة الجلد (80) جلدة، قالت محكمة الاستئناف:
إنها (أخذت قياساً على حَد الفرِّية، إذ من الملاحظ أن ذوي الأغراض السياسية المناهضة لشرع الله وللدولة الإسلامية يلجأون دائماً إلى افتراء الكذب على الله).
كان واضحاً أن محاكم العدالة الناجزة تدرك جيِّداً (حدود) الشريعة الإسلامية التي تطبِّقها.
ويأبى الإعلام إلا أن يكمل المهزلة
ثم جاء دور الصحافة لتكمل المهزلة وتجمِّل الوجه المترع بالتشويه.
كتبت صحيفة (الصحافة) في افتتاحيتها الرئيسة في الصفحة الأولى يوم السبت 18 أغسطس 1984م، معلِّقة على قضية صلاح الدين المصباح:
(ولسنا- هنا- بصدد الحديث عن حادثة معزولة، ارتكبها شخص موتور، ونال جزاءه العادل على يد القضاء الإسلامي النزيه، لكننا نتناول المسألة في إطارها العام، لعلمنا أن أجهزة الدعاية المضادة لأنموذج السودان الإسلامي قد حاولت استغلالها ضمن مسلسل تشويه الحقائق وتلوينها، وهو المسلسل الذي شهدنا حلقاته منذ إعلان التشريعات الإسلامية في السودان).
تواصل الصحيفة افتتاحيتها:
(والحادثة- كما نُشرت وأذيعت تفاصيلها أمس الأول، بلا زيادة أو نقصان- لا تعدو أن تكون خروجاً صريحاً على قوانين البلاد، ومحاولة مغرضة لإفراغ مبدأ الشورى الإسلامي- الذي ترعاه الدولة- من محتواه الحقيقي. فالشورى باعتبارها أرقى أشكال الديموقراطية، ليست فوضى، أو وسيلة لإفراغ شحنات الحقد، والخروج على إجماع الأمة، والإساءة إلى مؤسساتها ورموزها).
وتمضي صحيفة “الصحافة” في نقض غزل فكرة التشريعات الإسلامية حتى الشعارات التي رفعها نميري، بما فيها المناصحة من خلال منبر الجمعة فتقول:
(وإذا كان قائد الأمة قد اختار أن يخاطب شعبه من داخل المسجد، إحياءً لسنة وتأسياً بسلف صالح، فإن قنوات الشورى في الدولة الحديثة عديدة ومتعدِّدة، وبوسع كل مواطن حريص على إسماع رأيه أن يمر عبر هذه القنوات المنتشرة في التنظيم السياسي والحكم الشعبي والإعلام والصحافة وغيرها من قنوات).
بعبارة مختصرة، تقول “الصحافة”: إن نميري يخطب في منبر المسجد لكن من أراد أن يتحدَّث معه فليذهب إلى الاتحاد الاشتراكي، أو الإعلام. يصبح السؤال إذاً لماذا جاء نميري إلى المسجد؟ لماذا لا يخاطب شعبه- أيضاً- من الاتحاد الاشتراكي، وقنوات الإعلام التي تمتلكها الحكومة، ولا ترفع صوتاً غير صوت الحكومة؟
لماذا قال نميري، في أول جمعة من رمضان، وفي أول خطبة له من منبر المسجد: إنه يريد أن يسمع النصح مباشرة من خلال هذا المنبر؟
يظل السؤال قائماً أيهما كان ضحية الآخر؟ هل نميري، ضحية غياب (لا) في كل مؤسسات الدولة. أم أن الدولة كانت ضحية رئيس غير راغب ولا قادر على سماع كلمة (لا)؟
هل كان نميري ضحية صحافة تنافقه؟ أم أن الصحافة كانت ضحية رئيس لا يقبل غير النفاق؟

زر الذهاب إلى الأعلى