الأعمدة

سيف الدين حسين… سوداني يقود مهرجان السينما المتنقلة في بغداد..

في ظل التحديات التي تتزاحم أمام المبدع السوداني، يبقى الإبداع الحقيقي قادراً على شق طريقه نحو فضاءات أرحب، حاملاً معه بصمة السودان أينما حلّ، ويبرز في هذا السياق الاحتفاء باختيار المخرج والسيناريست والمنتج التلفزيوني سيف الدين حسين مديراً لمهرجان السينما المتنقلة في دورته الثامنة للعام 2026م بالعاصمة العراقية بغداد، كأول سوداني يتولى إدارة هذا المهرجان، بوصفه محطة تستحق التأمل والحفاوة التكريم.

والواقع أن اختيار سيف الدين حسين مديراً لمهرجان السينما المتنقلة، يمثل استحقاقاً مهنياً، يتوّج مسيرةً ثرية في مجالات الإخراج والكتابة والإنتاج التلفزيوني، حيث استطاع سيف أن يراكم خبرات متعددة صنعت منه اسماً معتبراً في الوسط الإعلامي والفني، فالرجل لا يقف عند حدود كونه مخرجاً أو سيناريست فحسب، بل يمتلك أيضاً ناصية المنتج التلفزيوني القادر على تحويل الفكرة إلى مشروع إبداعي مكتمل الأركان.

خلال سنوات عمله الطويلة، برز سيف الدين حسين بوصفه أحد الكفاءات المهنية التي صقلت تجربتها عبر العمل الميداني المتواصل، وقد زاملته لنحو عشر سنوات في قناة الشروق الفضائية، حيث كان نموذجاً للمبدع المنضبط الذي يجمع بين الحسِّ الفني والقدرة التنظيمية، في تلك السنوات كان الرجل عقلاً منتجاً للأفكار، يسعى دائماً إلى تطوير المحتوى التلفزيوني والارتقاء به إلى مستويات أكثر احترافية.

وأثمرت تلك التجربة عن نجاحات عديدة، إذ حصدت البرامج التي شارك في إنتاجها أو الإشراف عليها عدة جوائز في مهرجانات إعلامية مختلفة، وهو ما يعكس قدرة الرجل على الجمع بين الفكرة المبتكرة والتنفيذ المتقن، وفي موازاة ذلك، ظل سيف الدين حسين حاضراً أيضاً في بلاط الكتابة يمتلك لغة خاصة، يتجاوز فيها حدود السطور ليخاطب العقل والقلب معاً برؤى منطقية وأدبية رصينة.

ولا تقف تجربة “السيف” عند حدود الإبداع الفني، إذ يمتلك كذلك خبرة إدارية معتبرة، حيث تقلد عدداً من المناصب المهنية والإدارية في قناة الشروق وغيرها من المؤسسات والمحطات الإعلامية، ما أكسبه بصيرة تنظيمية وقدرة على إدارة الفرق الإبداعية وتحويل الأفكار إلى مشاريع ناجحة، وربما كان هذا المزيج بين الحس الفني والخبرة الإدارية أحد أهم الأسباب التي جعلت اختياره لإدارة مهرجان السينما المتنقلة خطوة منطقية ومبررة.

كما أن حضور سيف الدين حسين في المشهد السينمائي لا يقتصر على الإنتاج والإخراج، بل يمتد أيضاً إلى مجال التحكيم، حيث يترأس حالياً لجنة تحكيم مهرجان الخرطوم لسينما الموبايل بعد مشاركات تحكيمية متعددة في عدد من المهرجانات، وهو ما يعكس الثقة التي تحظى بها رؤيته الفنية وخبرته في تقييم الأعمال السينمائية.

إن اختيار مبدع سوداني لإدارة مهرجان سينمائي كبير في مدينة مثل بغداد محلِّقة في فضاءات الثقافة، يحمل في طيِّاته دلالات أعمق من مجرد منصب إداري، فهو في جانب منه اعتراف بكفاءة الكوادر السودانية القادرة على الحضور في المنابر الإقليمية، وفي جانب آخر يعكس نجاح التجارب الإعلامية التي أسهمت في صناعة هذه الكفاءات.

ولعل تجربة قناة الشروق الفضائية تقف في مقدمة هذه التجارب، إذ أثبتت السنوات أنها كانت مدرسة إعلامية حقيقية رفدت الساحة بعدد من النجوم الذين توزعوا لاحقاً في مؤسسات إعلامية مختلفة داخل السودان وخارجه، ويأتي صعود سيف الدين حسين إلى هذا الموقع الدولي امتداداً طبيعياً لذلك الإرث المهني الذي صنعته القناة عبر سنوات من العمل الجاد.

عموماً فإن وصول سيف الدين حسين إلى إدارة مهرجان السينما المتنقلة يتجاوز الإنجاز الشخصي، ليكون بمثابة صفحة مضيئة في سجل الإبداع السوداني، ورسالة تؤكد أن الكفاءة حين تقترن بالإخلاص والعمل الدؤوب قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية، وربما يكون هذا الإنجاز أيضاً تذكيراً جميلاً بأن السودان، رغم كل ما يمر به من ظروف، ما يزال قادراً على تقديم مبدعين يرفعون اسمه عالياً في فضاءات الثقافة والإعلام والفن، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

زر الذهاب إلى الأعلى