الأعمدة

تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٨)

هنا عبر “أمواج ناعمة”، حيث نحاول أن نلتقط من ذاكرة الصحافة السودانية ما تبعثر على أرصفة الزمن، نواصل إرسال “تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية”؛ رسائل قصيرة في ظاهرها، لكنها محمّلة بحكايات طويلة من الحبر والتجربة والوفاء للمهنة. وفي هذه الحلقة (٢٨)، نقف عند سيرة اثنين من أبناء المهنة الذين سلكا دربين مختلفين، لكنهما التقيا عند شغف واحد: حب الصحافة حدَّ المغامرة.
هنا، يلوح عمر إسماعيل كأحد شهود ثلاثة عقود من الصحافة السودانية؛ رجلٌ عبر المهنة بين الحبر والعاصفة، حاملاً تجربته من غرف التحرير إلى مواقع القيادة، متحدياً المرض والإعاقة بإرادةٍ لم تنكسر. وعلى الضفة الأخرى، تبرز رفيدة ياسين كصحفية ميدانٍ ووعورة، اختارت أن تقترب من قلب الأحداث حيث يبتعد الآخرون، فصارت واحدة من الأصوات التي كتبت الحكاية من تخوم الخطر.
إنها ليست مجرد سيرة صحفيين، بل صفحتان من كتاب الزمالة الصحفية؛ صفحةٌ كتبتها الخبرة الطويلة والصبر، وصفحةٌ خطّتها الجرأة وروح المغامرة. وفي كلتيهما، تبقى الحقيقة هي البوصلة التي لا تخطئ الطريق.

عمر إسماعيل
في الصحافة السودانية رجالٌ مرّوا عليها مرور العابرين، ورجالٌ آخرون صاروا جزءً من ذاكرتها، كأن أسماءهم كُتبت في الهامش الذي يشرح متن الحكاية. ومن هؤلاء يبرز اسم عمر إسماعيل عبد الصادق؛ صحفيٌ من جيلٍ عرف الصحافة حين كانت المهنة أقرب إلى المغامرة اليومية، وحين كان الخبر يُصاغ تحت ضوء المصابيح الخافتة ورائحة الحبر الطازج.. عمر إسماعيل ثلاثة عقود بين الحبر والعاصفة.
وُلد عمر في شمال السودان، وتحديداً في مدينة “الدبة” بالولاية الشمالية؛ تلك الأرض التي اعتادت أن تُخرج رجالاً بصلابة النخيل وصبر النهر. ومن هناك بدأت الرحلة التي قادته إلى جامعة أم درمان الإسلامية، حيث تخرّج عام 1982 في قسم الصحافة والإعلام، حاملاً بين يديه شهادة أكاديمية، والأهم من ذلك، شغفاً مبكراً بالمهنة التي ستصبح قدره ومساره.
دخل ميدان الصحافة في مطالع الثمانينيات، في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُكتب على حافة السياسة، وكان الصحفي يسير دائما بين سطرين: سطر الحقيقة وسطر الممكن. ومنذ تلك اللحظة، انطلق عمر إسماعيل في رحلة طويلة عبر دهاليز المؤسسات الصحفية السودانية، امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً، تنقل خلالها بين نحو أربعٍ وعشرين صحيفة ومجلة.
كانت تلك السنوات أشبه بعبورٍ طويل وسط تحولات السودان السياسية الكبرى؛ فقد عاصر الرجل وعمل في ثلاث حقب متباينة من تاريخ البلاد: حقبة جعفر نميري، ثم سنوات الديمقراطية الحزبية القصيرة، وصولاً إلى عهد الإنقاذ. وفي كل تلك التحولات، ظل الصحفي واقفا في موقعه؛ لا يغيّر بوصلته المهنية، بل يحاول الحفاظ على تقاليد المهنة حية وسط العواصف.
توزعت تجربته بين صحف كثيرة، غير أن بعض المحطات بقيت الأقرب إلى وجدانه؛ حيث يصف سنواته في صحف “الأيام” و”السياسة” و”السودان الحديث” بأنها من أجمل سنوات عمره المهني. هناك تعلّم أن الصحافة ليست مجرد نقل للخبر، بل هي صناعة للمعنى، وأن العنوان الجيد يمثل نافذة لفهم وطنٍ كامل.
ومع مرور الزمن، تراكمت خبراته عبر تجارب أخرى في صحف مثل “البيان” و”الأزمنة” و”الجمهورية” و”الرائد” وغيرها. ولم يكن حضوره مجرد مرور عابر، بل كان حضوراً فاعلاً قاده إلى مواقع القيادة التحريرية، حيث شغل منصب رئيس التحرير في أكثر من تجربة، منها صحيفتا “الأزمنة” و”البيان”.
لكن ما يجعل سيرة عمر إسماعيل أكثر عمقاً وإنسانية هو تلك الإرادة الصلبة التي قاومت المرض والإعاقة. فبالرغم من التحديات الصحية القاسية التي واجهها في مرحلة من حياته، لم تنطفئ جذوة الشغف في داخله، وظل قريباً من نبض المهنة، تارة من الميدان حيث يولد الخبر والتحقيق، وتارة من موقع القيادة حيث تُصاغ السياسات التحريرية؛ فالتخلي عن الصحافة بالنسبة إليه لم يكن خياراً مطروحاً، بل كانت هي الحياة التي لا تُختصر.
عرفه زملاؤه بإيمان راسخ بأن الصحافة يجب أن تبقى أداة لكشف الحقائق لا مجرد صدى للأحداث، ولذلك ظل منشغلاً بسؤال المهنة ومستقبلها، معبّراً عن قلقه من واقع الصحافة السودانية المعاصرة وتراجع الأداء التحريري، وضعف القوانين التي تحمي الصحفيين. ومن هذا المنطلق، ظل ينادي بضرورة إنشاء معهد متخصص لتدريب الصحفيين، يعيد للمهنة روحها الجادة المنحازة لقضايا المجتمع.
وكما في كل المهن العريقة، تأثر عمر إسماعيل برمزين كبيرين في الصحافة السودانية، هما الأستاذ أحمد البلال الطيب متعه الله بالصحة والعافية والدكتور محيي الدين تيتاوي رحمه الله، اللذان تركا بصماتهما في مسيرته وصقلا نظرته للمهنة.
وهكذا، حين يُستعاد تاريخ الصحافة السودانية المعاصرة، لا يمكن تجاهل شهادة أولئك الذين عاشوا داخل غرف الأخبار، وسمعوا صرير المطابع، وشهدوا تحول الأحداث إلى عناوين وتاريخ. وعمر إسماعيل هو أحد هؤلاء الشهود على زمنٍ كامل من الصحافة بصخبها وتقلباتها. إنه صحفي من جيلٍ لم يرَ في المهنة وظيفة، بل رآها شكلاً من أشكال الوجود؛ حياةٌ تُكتب كل صباح في الصفحة الأولى، وتُطوى في المساء، لتبدأ من جديد مع فجرٍ آخر من الحبر والأسئلة.

رفيدة ياسين
في مطالع الألفية الجديدة، حين كانت الخرطوم ما تزال تعيش على إيقاع صحافة الورق الساخن بالحبر والأسئلة، خرجت من بين دفاتر المهنة شابة بدت كأنها خُلقت لتجريب حدود الخطر، لا لمجرد ممارسته. إنها صحفية الميدان والوعورة؛ صحفية لم تتعامل مع الصحافة بوصفها مهنة، بل بوصفها قدرا يمشي على قدمين.
كانت الصحف في السودان في العقد الأول من هذا القرن، وحتى منتصف العقد الثاني منه تقريبًا (من 2000 إلى 2015)، تموج بأصوات كثيرة، لكن بعض الأصوات وحدها كانت تُشبه رنين النحاس حين يُطرق بقوة. في تلك السنوات، بدأت رفيدة تظهر في المشهد الصحفي كما تظهر نجمة مبكرة في سماء لا تزال رمادية. لم تكن مجرد محررة تبحث عن خبر، بل كانت صيّادة حكايات، تمشي إلى قلب الحدث حيث يخاف الآخرون أن يقتربوا.
دخلت مهنة المتاعب من بابها الأكثر وعورة. الحوارات الجريئة كانت بوابتها الأولى، ثم سرعان ما اتسعت خطواتها نحو الميدان، حيث الحقيقة لا تُكتب خلف المكاتب، بل تُنتزع من بين الغبار، ومن فوهات البنادق أحيانا. في تلك السنوات، كانت الصحافة السودانية تعرف جيدًا أن هناك أماكن لا يصل إليها إلا القليلون. لكن رفيدة كانت واحدة من أولئك القلائل الذين يحملون دفاترهم كما يحمل الجنود خوذاتهم. ذهبت إلى تخوم الأزمات، وسافرت إلى مناطق التوتر، وكان جنوب السودان واحدا من أكثر الفصول قسوة في تلك الرحلة.
هناك، حيث الأرض مشبعة برائحة الحرب، وحيث الطرق ليست سوى مسارات ضيقة بين الخوف والمجهول، خاضت رفيدة تجارب كادت في أكثر من مرة أن تكون الأخيرة. لحظاتٌ كانت فيها الحياة نفسها على حافة السؤال: هل يمكن للصحفي أن ينجو حين يصبح الخبر أقرب إليه من ظلّه؟
لكنها نجت، لا بمعجزة عابرة، بل بعناد يشبه عناد الريح حين تصر على عبور الصحراء. ولم تكن تلك التجارب سببًا للتراجع، بل صارت وقودًا لنهج صحفي أكثر جرأة، كأنها كلما اقتربت من الخطر ازدادت يقينًا بأن الحقيقة تستحق المغامرة. وفي الخرطوم، حيث كانت الصحف تتنافس على السبق، تركت رفيدة أثرها في صفحات عدة منابر، قبل أن تبلغ إحدى أبرز محطاتها في الصحافة الورقية مع صحيفة “السوداني”. هناك، بدت كتاباتها وتغطياتها كأنها نوافذ تُفتح على ما وراء الحدث؛ لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تحاول أن تُصغي لما يقوله الصمت بين السطور.
لكن الزمن الصحفي، كالنهر، لا يحب البقاء طويلًا في مجرى واحد. ومع صعود الإعلام الفضائي، بدأت رحلة جديدة. انتقلت رفيدة من ضجيج المطابع إلى أضواء الاستوديوهات، ومن رائحة الحبر إلى حرارة البث المباشر. وفي فضاء القنوات الإخبارية، لمع اسمها مجددًا كمراسلة ميدانية تُرسل حيثما يكون الحدث أكثر تعقيدًا. عملت موفدة لقناتي “العربية” و”الحدث”، حيث أصبحت واحدة من تلك الوجوه التي تُرى في نشرات الأخبار من قلب العواصم المشتعلة أو المدن التي تقف على حافة التحول.
كانت المراسلة التي يُعهد إليها بالمهام الصعبة؛ تلك التي لا تكفي فيها الكاميرا وحدها، بل تحتاج إلى شجاعة الميدان، وإلى عين ترى ما وراء الضجيج. ولم تقف تجربتها عند حدود الخبر العاجل، فقد اتجهت أيضًا إلى العمل الوثائقي، حيث شاركت في إعداد أعمال توثق لرموز الثقافة السودانية، من بينها عمل وثائقي عن حياة الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي، في محاولة لالتقاط ملامح السودان من زاوية أخرى؛ زاوية الفن والذاكرة.
مع الزمن، صار حضورها يمتد إلى الفضاء الرقمي كذلك. هناك، حيث تتقاطع الصحافة مع اليومي والإنساني، تواصل رفيدة سرد الحكايات؛ مرة في تقرير ميداني، ومرة في مقال رأي، ومرة في صورة عابرة تختصر مدينة كاملة.
قصة رفيدة ياسين ليست مجرد سيرة صحفية، إنها حكاية امرأة قررت أن تمشي في الطرق التي يتردد الآخرون في سلوكها. امرأة حملت دفترها كما يحمل الرحالة بوصلة، ومضت تبحث عن الحقيقة في الأمكنة التي يختلط فيها الضوء بالبارود. ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن البطلة لم تكن تسعى إلى البطولة أصلاً، كانت فقط تفعل ما يفعله الصحفيون الحقيقيون: تمشي نحو الخبر، حتى لو كان الطريق إليه يمر أحيانا من قلب العاصفة.
ولهذه السلسلة حلقات وحلقات بمشيئة الله،،،،،

زر الذهاب إلى الأعلى