تساؤلات على هامش اليوم العالمي للمرأة لماذا نقول:”رجل بمعنى الكلمة” ولا نقول:”امرأة بمعنى الكلمة”

؟
رشا عوض
قمة الثناء على رجل أن يقال عنه أنه”رجل بمعنى الكلمة”، وهذا يعني بالضرورة أن لكلمة “رجل” معاني تتجاوز النوع البيولوجي، اي”الإنسان الذكر”، فهي مرادف لصفات مثل الحكمة، القوة، الشجاعة، المروءة، الكرم، الصدق، الوفاء، الكبرياء، الجدارة بالقيادة ..باختصار حزمة من الصفات والفضائل الإنسانية الرفيعة التي تشكل معيارا لقياس “القيمة الإنسانية” للكائن البشري في المجتمع.
والسؤال المشروع هنا لماذا لا تمدح المرأة التي تتصف بتلك الفضائل بأنها “امرأة بمعنى الكلمة”؟ بل توصف بأنها امرأة كالرجل، وعندما تحقق المرأة إنجازا عظيما أو تتصرف بجسارة او بحكمة أو تبذل تضحية كبيرة تُكافأ بأن يقال لها: امرأة بعشرة او عشرين أو مائة رجل! لا سيما ان جاء تفوقها في احد المجالات المحتكرة للرجال كالقيادة السياسية مثلا.
لماذا عندما تتفوق المرأة في أي مجال يجتهد الرجال وللمفارقة تجتهد النساء في تأكيد انها فعلت شيئا يشبه الرجال ويتناقض مع طبيعتها؟ أي مع كونها امرأة ويتم تشبيهها بالرجل ، بصورة لا شعورية ، احيانا تكون تلقائية وبحسن نية ، ولكنها تعكس خوفا وقلقا في اللاوعي من المساس ب”الصورة النمطية” للنساء؟
الإجابة على هذا السؤال هي أن “الثقافة الذكورية” جعلت من الذكورة معيارا للقيمة، وسببا لامتيازات ” غير مشروطة وغير مساءلة” ، وهذا معناه باختصار : انت رجل فانت متفوق اخلاقيا و في مرتبة اجتماعية اعلى ، وتبعا لذلك في مرتبة سياسية واقتصادية اعلى ومن ثم انت صاحب السلطة العليا، دون بذل اي مجهود او انجاز يبرر هذه الامتيازات!
الثقافة الذكورية جعلت من مفردة”رجل” مرادفا ل”الإنسان الكامل” وجعلت من مفردة “امرأة” مرادفا ل ” الإنسان الناقص” وعلى هذا الأساس حددت التراتبية الإنسانية والهرمية الاجتماعية، وهي تراتبية تجعل الرجال أفضل من النساء بصورة مطلقة، وبالطبع تشكل هذه الأفضلية أرضية صلبة ينطلق منها التمييز السلبي ضد النساء! فحسب “الثقافة الذكورية” المرأة تحتاج للوصاية بشكل دائم حتى في أمور زواجها وسفرها ومكان عملها او سكنها، ومن ثم لا تصلح للمشاركة في قيادة المجتمع وتحمل المسؤوليات الكبيرة واتخاذ القرارات المصيرية، ليس بسبب نقص في المعرفة أو الخبرة العملية أو قصور فردي تعانيه هذه أو تلك، بل بسبب أنها امرأة! وبطبيعتها النفسية والفسيولوجية ناقصة الأهلية والكفاءة حسب زعم هذه الثقافة المتحيزة! ولو كان سبب احتلال النساء لتراتبية أدنى في السلم الاجتماعي هو مجرد الافتقار للمعارف والمهارات والتجارب، فهذا سبب “مقدور عليه”، لأنه مؤقت ويمكن تجاوزه بالجد والمثابرة في بناء قدرات النساء وفق برامج مدروسة، ولكن المصيبة ان يكون سبب”الدونية” هو أنهن خُلِقن نساء! وهو السبب الذي تتمسك به “الثقافة الذكورية” حتى تجعل التمييز ضد المرأة “حالة مستدامة” سببها بيولوجي اي سبب طبيعي لا يمكن تغييره! ولذلك يحق لنا ان نتخذ ” الثقافة الذكورية” عدوا! لانها لا تنظر الى حالة “اللامساواة التاريخية” بين الجنسين كنتيجة لعوامل مكتسبة يمكن تغييرها بنقد الافكار التي تقف خلفها ، وبالتدابير السياسية والاقتصادية والتنموية ، بل تنظر الثقافة الذكورية الى حالة ” اللامساواة التاريخية بين الرجل والمرأة” كحالة طبيعية لا تجوز مساءلتها! وبهذا تتم مصادرة الامل في مستقبل اكثر عدالة وانصافا للنساء! ولذلك فان هذه الثقافة عدو يجب السعي لهزيمته ، وللنجاح في ذلك لا بد من الدقة في تعريفه وفي تحديد أماكن تمركزه! وكذلك لا بد من إدراك ان الحرب ضد “الثقافة الذكورية” ليست حربا ضد الرجل، بل هي حرب على “فكرة ظالمة” يتبناها كثير من الرجال والنساء على حد سواء، وهي تتغذي من أكاذيب وأوهام وأساطير تاريخية” خلاصتها ان الذكورة تحتل درجة عليا في سُلَّم الإنسانية لأنها بطبيعتها تتميز بخصائص إيجابية، وأن الأنوثة تحتل درجة دنيا لأنها بطبيعتها تتميز بخصائص سلبية!
هذه فكرة “ظالمة” للمرأة لأنها تطعن في كرامتها الإنسانية، وتنتقص من حقوقها وتسلب حريتها، و”ظالمة” للرجل لأنها تمنحه مالا يستحق وتحوله إلى ظالم، أي تضعه في خانة “غير أخلاقية وغير إنسانية”، و”ظالمة” للمجتمع لأنها تعوِّق نهضته بتعطيل نصفه، وتجعل التفاضل والترقي فيه رهينا لمعايير غير موضوعية.
لذلك يجب أن تكون “الثقافة الذكورية” مرفوضة ومحارَبة من الرجال العقلاء والمستنيرين، بقدر ما هي مرفوضة ومحارَبة من النساء العاقلات والمستنيرات، وعندها فقط، يكون الرجل “رجلا بمعنى الكلمة”، وتكون المرأة “مرأة بمعنى الكلمة”، حيث يتشارك الاثنان في”الحق الإنساني”..في أن تكون لكل منهما “ذاتا جوهرية” لها مبناها ومعناها المكتمل المستقل الذي يضيف إلى الحياة قيما ومعاني.
ان ” الثقافة الذكورية” تشكل عائقا بنيويا كبيرا امام ” العدالة النوعية” لانها متجذرة في المجتمعات على اختلاف انتماءاتها الاثنية والدينية وعلى اختلاف حظوظها من الحداثة ، ربما تكون الميزة النسبية لوضعية المرأة في الدول ذات النظم الحديثة هي وجود كوابح للتمييز المباشر والفج ، ولكن ما زالت النساء يشكلن اغلبية فقراء العالم ، والاقلية في مواقع صنع القرار ، وما زال طريق العدالة طويلا ، والعقبات فيه لا تنحصر في البنى الفكرية والثقافية فقط بل هناك بنى سياسية واقتصادية معقدة تكرس لاقصاء النساء، ولتذليل هذه العقبات لا بد ان تستوعب ” النسويات” شفرة التشغيل السياسي والاقتصادي ابتداء من مجتمعاتهن المحلية الصغيرة وصولا الى الدولة الوطنية والمجتمع الدولي ، وبعد الاستيعاب تأتي مرحلة ” تغيير شفرة التشغيل ” لصالح عالم صديق للنساء وهذا حديث ذو شجون!
رحلة تحرر المرأة هي رحلة من ” كون المرأة موضوعا للدراسة” الى كونها ذاتا دارسة ومفكرة وفاعلة ولها ارادة مستقلة وبصمة تخصها في دفتر حضور الحياة!



