
مجاهد نايل .
أن كان ( يَسكر ) و يَفتعل المشاكل و يُخرّب الحفلات سافر ( مُغترباً ) ، و هناك في بلاد غربته أعلن تَوبتهُ و أطلق ذقنهُ ، و أعتنق ديناً غير ( الدّينْ ) الذي يألفه أهل البلد ..!
لمّا عادَ ..
قابلتْهُ ( الحَاجّة ) في زُقاقٍ ماراً فهشّتْ به ، و أرادت أن تحمِدَ له سلامة العودة من الغُربة !
فقال ( مانعاً ) يده منها :
_ انا لا أصافِح النساء ..
فردّت ( الحاجّةُ ) بلِسانها الحكيم :
_ يا فلان يا ولدي ، زمان سَكَركْ شَينْ ، و أسى دَينك كَعَب .!!!
و حِكمة المَرأة ، أن السودانيين ( سَكَرهُم ) سَمِح و ( دينهم ) سَمِح .!
لأن ( السوداني ) كان حين يَسكر ، يكونُ شهماً و كريماً و ( طَروباً ) .
كان الشبابُ على ضفافِ النيل في ( المَرسى ) بشمبات ، تَسمع صَدى ألحانِهم مع النسماتِ ليلاً :
_ أذكُري ي ي ي أيااااام صفااااانا و أذكري ي ي ي عَهد اللقااااا ….
يُغنّون بشجنٍ حقيقي ، و هم صِغار عهد باللقاء و أيام الصفاء ..
يستلِفُون من صِدق مشاعرهم ، عاطفة الشاعر و المُغني مَعاً ، و هذا صدق لا يُضَاهى ، مُتوفّرٌ في أرواح ( السودانيين ) بكَثرة .
كان ( السِكّيرُ ) السوداني كريماً و ( سَكرو ) سمِحْ ..
و قد شهدتُ بنفسي ( سَكراناً ) بَنى جامِع ؟
حيث كان صديقي يَشرب في مَنزله ، فسَمع نداءاً من مَسجد الحارةِ ، يَطلبُ العَونَ لبناء ( مِظلّة ) تُضاف إلى المسجد يصلي فيها من لم يجد مكاناً ، فقال صديقي :
_ كييييف الجامع ناقِص يَشحدو ليهو بالمايكرفون ، و نحن عايشين … هِييييغ ؟؟
فأرسل لي صباحاً و جعلني أحسبُ تكاليف ( الأسمنت ) و الطُوب و كل لوازم البناء ، و دفعها مُحرّماً علىّ أن يعرف ذلك أحد ؟!!
فكُنّا نُصلّي تحت ( المِظلّة ) ، و لا يعرف أحد أن من بناها ( سَكراناً ) ضَكراناً !!!
و لم يمضي وقتا حتى وجدته قد ترك الشراب ، كأنما حلت عليه دعوة المصلين بالغيب !!
كان دين السوداني سَمِحْ .
إننا من شِدّة ( ثقتنا ) بالإحسانِ و الصدق ، نُسَالِم نِسائَنا ( مُقالدة ) ! ، لا يُحرّك فينا شعرة ( سُوءٍ ) واحدة !!
و ..
حين ( هَجمُوا ) علينا في عام ( ١٩٨٩ م ) ، في إنقلابهم المشؤوم ..
أرسل جون قرنق عيونه إلى الخرطوم ، يسأل عن طبيعةِ الحُكّام الجُددْ ؟؟
فردت عليه العيون :
_ لقد ذهب الجَلابي أب عِمّه ، و جاء الجَلابي أب عِمه و ( شَالْ ) !!
فَطَمسَ الإخوان المسلمين ( كيزانَ ) الشيطانِ ، حياة الشَعب المُسلِم بالفِطْره ، و غيّروا كل ما كان ( سَمحاً ) إلى ( شَينْ ) و كَعبْ ..
دخلوا بفَرّية الدّينِ ، حتى أنهم قالوا :
( من خَدعَكم بالدين فأنخدِعوا له ؟؟ )
لكن دِينَهم شيييييييين
و كَعبْ !
إنّهُ ..
دينُ ( النَذير ) لا التَبْشير ..
دينُ العِقابِ لا ( الثَوابْ )..
دين ( الفَضِيحةِ ) لا النَصِيحة ؟؟
فَسَنّوا قوانين ( النظام العام ) ، يُهاجِمون الناس في بيوتهم يفتشون خصوصياتهم !! ، و يَنشرونَ في الجرائدِ أسرارهم ..!
و من فَورهم ..
سَرقوا و وزّعوا المال العام فيما بينهم بغيرِ حَق ، و جَعلوه ( غَنيمة ) لحُكمهم !!
قتلوا الأبرياء ، و أغتصبوا النساء و الرجال ، و أحرقوا الأطفال ، و آذوا البلادَ أذيّة لم يَفعلها بَشريٌ مُنذ مِيلاد الكَون ..!
أصبح التَجسّس مهنةً ، فلا جار يَثقُ في جارِه ، إنتشر غِنَى ( الفُجاءة ) ، فتجدَ الفَقير المُعدمْ الذي كان يَبادِلك المَودة و الرحمة في الشارع ، بين ليلة و ضُحاها يَهدم ( بَيتهُ ) ، و يَبنى على رأسك ( عِمارة ) ، و يغلق عليك الشارع بأكوام التُراب ، و لا يُحيّك ولا يُجاملك في المُناسبات ؟
تَجد التافه القَبيح الطَبع و ( الرُويبضة ) و الشَاذ ، بين ليلة و ضُحاها آمراً ناهياً في إمورك العَامة ؟؟
قَلبُوا أسفَل البلاد إلى عَالِيها ، و قَدموا لنا الفُسّاد و أبعدوا عَنّا الصَالحِين !!
و ..
هَجّروا ( المُثقفين ) و عَيّنوا ( البُلَداء ) الأغبياء ..
حتى صِرْنا في أمورٍ واضحة كالشمسِ نَختَصم بلا ( مَنطق ).!
و هكذا ..
صارت كلمة الرحمة و السلام ( خِيانة ) ؟
و دَعوةُ القتلِ بالذَبح و لغة التَدمير ( وطنية ) ؟؟
ِصِرنا نَسمع من الأغبياء أنهم ( دَكاترة ) ، و من الفُسّاق أنهم ( شِيوخ ) ؟؟
صَار عَسكرهم الذين خضعوا لهم ، يديرون البلاد تحت أمرهم ..
حتى أحرقوا البلاد
كُلها ..
و شَردوا الجميع !!
فما هو الإرهاب إن لم يكن
إرتهان أمة بحالها ..
لسلطة العسكركيزان
و زجّهم إلى الجحيم ؟؟



