الأعمدة

*تدهور أجور المعلمين في السودان: واقعٌ مأساوي يكشفه تقرير لجنة المعلمين*

✍️ بقلم: حسن عبد الرضي الشيخ
في واحدة من أدق الدراسات الاجتماعية حول واقع المعيشة في السودان، كشف المكتب الاجتماعي للجنة المعلمين السودانيين عن أرقام صادمة تُظهر إلى أي مدى تدهورت أجور المعلمين والعاملين في الحقل التربوي حتى باتت أقل من حد الكفاف، بل أقل بكثير من خط الفقر المدقع.
أوضحت الدراسة أن تكلفة المعيشة الدنيا لأسرة سودانية مكونة من خمسة أفراد تبلغ مليون و٦٥٢ ألف جنيه سوداني (نحو ٤٨٥ دولاراً). وفي المقابل، ما يزال الأجر الأساسي عند مستويات متدنية للغاية منذ آخر تعديل في ٢٠٢٢، حيث رُفع الحد الأدنى للأجور من ٣ آلاف إلى ١٢ ألف جنيه فقط، دون أي زيادة لاحقة.
تفصيل الأرقام يكشف عن فجوة مهولة بين تكاليف المعيشة والدخل:
مرتب العامل في الدرجة (١٧) مدخل الخدمة: ١٢ ألف جنيه فقط، أي نحو ٣.٥ دولار شهرياً.
مرتب المعلم في الدرجة (٩) مدخل الخدمة: ٢٨.٨٠٠ جنيه، أي حوالي ٩ دولارات شهرياً.
مرتب المعلم في الدرجة (١) بعد ثلاثة عقود خدمة: ٩٦ ألف جنيه، أي نحو ٣٠ دولاراً فقط في الشهر.
هذه الأجور الهزيلة تضع جميع العاملين في التعليم تحت خط الفقر المدقع، وهو ما يعني عملياً عجزهم عن الإيفاء بأبسط احتياجات الحياة، بينما يظل خط الفقر العالمي محدداً بـ١.٩ دولار يومياً للفرد.
بناءً على هذه الحقائق، رفعت لجنة المعلمين مطالب واضحة، أبرزها:
١. رفع الحد الأدنى للأجور إلى ١٨٤٦٨٠ جنيهاً.
٢. إضافة علاوة تعليم تعادل ٢٥% من الراتب الأساسي.
٣. مراجعة العلاوات الثابتة كل ستة أشهر لمواكبة التضخم وتذبذب الأسعار.
٤. سداد كافة المتأخرات من رواتب وعلاوات وبدلات ومنح.
٥. جعل الإنفاق على التعليم اتحادياً بدلاً من تركه للولايات والمحليات، ضماناً للعدالة والاستقرار.
لقد أثبتت لجنة المعلمين السودانيين مرة بعد مرة أنها صوت المعلم الأمين، ودرعه في مواجهة التجاهل والتهميش. فهذه الدراسة لم تكشف فقط عن أرقام، بل عن واقع مأساوي يعيشه المعلمون يومياً: معلم يدخل فصله مثقلاً بالديون، غير قادر على توفير قوت أسرته، ومع ذلك يُطالَب بأن ينهض برسالة التعليم المقدسة.
إن اللجنة اليوم تقف في خط المواجهة الأول، مدافعة عن حقوق المعلمين، رافعةً صوتهم، ومؤكدة أن التعليم لا يمكن أن ينهض بجيش من المعلمين الجائعين. وكما جاء في بيانها: «ما ضاع حق وراءه مطالب».
إن ما كشفت عنه الدراسة ليس مجرد قضية رواتب، بل قضية بقاء التعليم نفسه في السودان. فأمة لا تُكرم معلمها ولا تضمن له حياة كريمة، إنما تحكم على مستقبلها بالضياع. من هنا، فإن دعم مطالب لجنة المعلمين ليس خياراً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية، إن كنا نريد تعليماً حقيقياً ووطناً جديراً بالحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى