التصريحاتُ المتناقضةُ التي تتترى من شركاءِ السُّلطة، ما بين تلك التي تتحدَّثُ عن وحدةِ الجبهةِ الداخلية سياسيًّا وعسكريًّا، وتلك التي تحملُ في طيّاتها – ضمنيًّا – تأكيدًا، عبر عباراتِ النفي، لكلِّ ما يرشحُ في وسائلِ التواصلِ الاجتماعي من حديثٍ عن صراعٍ تدورُ رحاه خلف كواليسِ مسرحِ الحُكم، المتنازعِ إخراجُ مشاهده العبثيّة؛ بين مجلسٍ سياديٍّ يلفُّه الصمتُ حيال تحرُّكاتِ رئيسِه الخارجية الفردية، دون كشفٍ – ولو من قبيلِ الردّ – على مختلفِ التكهنات حول نتائجِ تلك الجولات، لا سيما الأخيرة منها ما بين المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، وغيابِ الرجلِ لأيامٍ تصاعدت فيها نبرةُ تلك التحليلات بصورةٍ لافتة.
هذا من جانب.
ومن ناحيةٍ أخرى، تتضاربُ الأنباءُ حول وجودِ حالةِ توتُّرٍ سادت بين قواتِ الحركاتِ المشاركةِ للجيش، وقواتِ اللواءِ العائدِ إلى حضنِ الوطن النور قُبّة، على خلفيةِ ثاراتِ حربِ دارفور المتراكمة، وآخرها معاركُ الفاشر الكارثية.
بينما يقودُ رئيسُ الوزراء الدكتور كامل إدريس مسارًا آخر، عنوانُه المصالحةُ الوطنيةُ الشاملة، التي تُفضي إلى انتخاباتٍ تحت النار، دون تحديدِ كيفيةِ التمهيدِ لها بإنهاءِ الحرب، أو الإعدادِ اللوجستي لهذا الاستحقاق.
ولعلَّ لغةَ الاتهاماتِ التي طالت القائدَ العامَّ ورئيسَ مجلسِ السيادة شخصيًّا، والتي بدأت تطفو إلى السطح من طرفِ كياناتِ المليشيات المسلحة التي ظلّت تحاربُ مع القواتِ المسلحة، وهي اتهاماتٌ تتزايدُ تباعًا على خلفيةِ اعتقالِ بعضِ قادتِها المتشدّدين بواسطة أجهزةِ استخباراتِ الجيش، بغرضِ خفضِ صوتِ تلك الجماعات إعلاميًّا، عقب تصنيفِ الجماعاتِ الإسلامية كتنظيماتٍ إرهابية بواسطة الإدارة الأمريكية؛ وهي الأخرى تُلقي بظلالِها على قتامةِ المستقبل بين السلطةِ مع الحركةِ الإسلامية بمختلفِ تشكيلاتها التنظيمية والعسكرية، والسلطةِ القائمة في بورتسودان والخرطوم.
ولعل كلِّ ذلك الغموض في تشابكِ وتعقيدِ العلاقات بين السلطةِ وحلفائها، يظلُّ السؤالُ الكبير: إلى أين تتجهُ بوصلةُ سفينةِ الحكم المتأرجحة، في خضمِّ أمواجِ المرحلةِ المتلاطمة، وسط رياحِ الحرب التي لم تُحسم بنصرٍ قاطعٍ لأيِّ طرف، ولا هي أفضت إلى سلامِ شجعان؟
وعليه، فإنَّ انشغالَ العالمِ بحربِ أمريكا وإسرائيل وإيران قد باعدَ أكثر بين حربِ السودان واهتمامِ الإعلامِ الإقليمي والدولي، في ظلِّ تباطؤِ عودةِ الحياةِ الطبيعية إلى المجتمع السوداني من حيث الخدماتِ الضرورية، وسط سوءِ الأحوالِ المعيشية، وإصرارِ الحكومة على زيادةِ أعباءِ الرسومِ الدراسية والصحية، وتدنّي الرواتب، وضعفِ المُنتوجِ الاقتصادي والزراعي، وتزايدِ الجبايات التي لا تستندُ إلى مسوّغٍ قانوني؛ ممّا يُثقلُ كاهلَ المواطن بالمزيد من الأعباءِ التي لا قِبَلَ للسوادِ الأعظم من الشعب على تحمُّلها.
في ظلِّ هذا الغياب الذي أفقدَ الحلَّ القريب، وأضعفَ وضوحَ الرؤية، التي يمكنُ أن يُوضَعَ الرأيُ العامُّ في صورتها – وإن كانت مهزوزة – تبقى البلادُ معلّقةً بين احتمالاتٍ مفتوحة، لا يحدُّها أفقٌ واضح، ولا تسندُها إرادةٌ جامعة.



