كيف أعادت الحركة الإسلامية تشكيل الدولة السودانية من مشروع في خدمة الشعب ، إلى مشروع إستبدادي للسيطرة علي الثروة والسلطة وتسخيرها فقط لخدمة جماعتهم وحزبهم ؟!

✍️محمد الفاتح حضرة
📜🧭منذ انقلاب 30 يونيو 1989 لم يكن ما حدث في السودان مجرد تغيير سلطة، بل كان مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل الدولة السودانية وفق رؤية تنظيمية مغلقة قادتها جماعة ماكان يسمي بـ الجبهة الإسلامية القومية، التي تحولت لاحقاً إلى مايسمي بجماعة الحركة الإسلامية و واجهتهم السياسية حزب المؤتمر الوطني، وذلك ضمن مدرسة نبعت من جماعة الإخوان المسلمين أضاف اليها الدكتور حسن الترابي بعض الإجتهادات الفكرية التي تأثرت بتجارب الإسلام السياسي المعاصر.
كان الهدف المعلن لجماعة الحركة الإسلامية هو إقامة ما سُمي بالمشروع الحضاري الإسلامي، لكن ما حدث عملياً كان إعادة هندسة مؤسسات الدولة لتخدم بقاء السلطة، لا بقاء الوطن، وتحويل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والشرطية إلى أدوات صراع سياسي داخلي بدل كونها مؤسسات قومية مهنية.
ومن يراجع مسار الدولة السودانية منذ 1989 وحتى مارس 2026 يلاحظ أن مفهوم “العدو” تغير في العقيدة الأمنية من العدو الخارجي إلى المعارض الداخلي، حتى أصبح المواطن نفسه في كثير من الأحيان هو الهدف.
فالحروب التي اندلعت في الجنوب سابقاً، ثم دارفور، ثم جبال النوبة والنيل الأزرق، ثم الحرب الحالية منذ أبريل 2023، كلها تعكس أزمة دولة لم تنجح في إدارة التنوع، فلجأت إلى القوة بدل السياسة، وإلى السلاح بدل العدالة.
‼️ والمفارقة المؤلمة أن الموارد التي صُرفت على الحروب وتسليح المليشيات، مثل الجنجويد التي تطورت لاحقاً إلى قوات الدعم السريع، كانت كافية لإحداث نهضة تعليمية وصحية وزراعية شاملة لو وُجهت للتنمية بدلاً من الصراع.
بل إن أطراف السودان التي رُفعت فيها شعارات الدعوة الإسلامية ظلت تعاني حتى من أبسط الخدمات، فلا تعليم كافٍ ولا خدمات صحية ولا حتى مصادر مياه مستقرة في بعض المناطق، وهو تناقض فاضح بين الخطاب الديني وواقع الناس.
🛑 حين يشهد أهل الفكرة على التجربة نفسها
الأكثر دلالة أن الانتقادات لم تأت فقط من خصوم الحركة الإسلامية، بل حتى من بعض رموز التيار الإسلامي أنفسهم.
فالمفكر الإسلامي محمد سليم العوا حذر من أن خلط الدعوي بالسلطوي قد يحول الدين إلى أداة سياسية تفقده رسالته الأخلاقية.
كما تحدث الشيخ يوسف القرضاوي عن خطورة استبداد الحركات الإسلامية عندما تفقد الشورى وتتحول إلى تنظيمات مغلقة.
وأشار المفكر محمد المختار الشنقيطي إلى أن أزمة كثير من تجارب الإسلام السياسي هي فشلها في الانتقال من عقلية الدعوة إلى عقلية الدولة.
وقدم السياسي راشد الغنوشي مراجعات فكرية أكد فيها أن أي مشروع إسلامي لا يمكن أن ينجح دون الديمقراطية والتعددية والاعتراف بالتنوع.
بل إن تجارب العنف المرتبطة بأسماء مثل أسامة بن لادن قدمت نموذجاً آخر لكيف يمكن أن يؤدي تسييس الدين وتحويله إلى أداة صراع إلى كوارث تصيب المجتمعات الإسلامية نفسها قبل غيرها.
🛑 حين تنقلب الصنيعة على صانعها
ما يحدث منذ حرب 15 أبريل 2023 يمثل ذروة التناقض: صراع بين مكونات خرجت من نفس البيئة السياسية والأمنية التي اعتمدت على المليشيات كأداة للبقاء.
فالدولة التي تبني قوتها على التشكيلات الموازية تفتح الباب لانقسام القوة نفسها، وهي الفكرة التي ربطها عالم الاجتماع ماكس فيبر باستقرار الدولة عندما تحدث عن احتكارها المشروع للقوة.
كما حذر الفيلسوف توماس هوبز من أن انهيار الدولة يقود إلى حالة صراع شامل، وهو وصف يقترب مما يعيشه السودان اليوم.
🛑 كيف تُبنى الأمم بعد الانهيار؟ دروس من القرآن وسيرة النبي ﷺ
إذا كان السودان يبحث اليوم عن طريق للخروج من هذا الانهيار، فإن أول درس تقدمه سيرة النبي ﷺ هو أن إصلاح الدولة يبدأ بإصلاح الإنسان، لأن السلطة بلا قيم لا تبني وطناً.
فالقرآن وضع قاعدة الإصلاح الكبرى بقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وهي قاعدة سياسية واجتماعية قبل أن تكون وعظاً دينياً.
كما وضع أساس الحكم العادل في قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)
وقوله: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)
أما النبي ﷺ فقد وضع معيار قوة المجتمع بقوله في الحديث الصحيح: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”
وقوله: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”
وهي أحاديث تؤسس لفكرة المسؤولية الأخلاقية في الحكم قبل المسؤولية السياسية.
بل إن أخطر ما حذر منه النبي ﷺ هو فساد النخب عندما قال: “إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة”
قيل: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟
قال: “إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله”.
وهو وصف يكاد ينطبق على كثير من أزمات الدولة السودانية حين أصبحت الكفاءة أقل وزناً من الولاء.
لقد بنى النبي ﷺ دولته على ثلاث ركائز: بناء الإنسان
إقامة العدل
إدارة التنوع
وليس على: التمكين التنظيمي
ولا احتكار السلطة
ولا إقصاء المخالفين
وهذا هو الفرق بين رفع شعار الإسلام وبين تطبيق مقاصده.
🛑 الأزمة ليست أزمة تنظيم فقط… بل أزمة مجتمع سياسي كامل
وربما الحقيقة الأقسى التي يجب الاعتراف بها: أن مسؤولية ما وصل إليه السودان لا تقع على الحركة الإسلامية وحدها، رغم دورها الكبير، بل شاركت فيها بدرجات مختلفة قوى سياسية وطائفية وقبلية.
أحزاب قبلت بالشراكة
حركات مسلحة قبلت بالمناصب
زعامات قبلت بالمكاسب
نخب قبلت بالصمت
وحتى اليوم نرى بعض حركات دارفور تدخل السلطة مقابل المال والمناصب بينما يظل أهل دارفور في المعاناة.
والاستثناء الحقيقي ظل في قطاعات من شباب الثورة وبعض الشخصيات المدنية التي حاولت الحفاظ على خط وطني، مثل عبدالله حمدوك وخالد عمر يوسف وبابكر فيصل وغيرهم من الأصوات المدنية.
🛑 الخلاصة التي يجب أن تقال بوضوح مؤلم
الحقيقة التي قد لا تعجب الكثيرين: أن الدولة الفاشلة لا يصنعها تنظيم واحد فقط، بل بيئة سياسية كاملة تسمح بذلك.
فالحركة الإسلامية لم تهبط من السماء، بل خرجت من نفس المجتمع، من نفس المدارس، ومن نفس الثقافة السياسية التي تمجد الزعيم، وتسامح الفساد، وتبحث عن الغنيمة.
ولذلك فإن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة سلطة، بل أزمة ضمير سياسي عام.
ولعل الحقيقة التي يجب أن تُقال بشجاعة: أن كثيراً من القوى التي تنتقد تجربة الإنقاذ اليوم، شاركتها بالأمس، أو كانت مستعدة لفعل ذلك لو وجدت نصيبها من السلطة.
ولهذا فإن إصلاح السودان لن يكون فقط بإسقاط نظام، بل بإعادة بناء الأخلاق السياسية نفسها.
لأن الوطن لا ينهار فقط بسبب الطغاة
بل أيضاً بسبب الصامتين
والمساومين
والمنتفعين
وإذا لم تتغير هذه الثقافة، فقد يسقط نظام ويأتي شبيه له، وتتغير الوجوه ويبقى المرض.
السودان لن ينهض عندما تتغير الحكومات فقط
بل عندما تتغير طريقة التفكير
وعندما تصبح الوطنية موقفاً أخلاقياً لا صفقة سياسية
وعندما يدرك الجميع أن السلطة مسؤولية لا غنيمة.
وإلا فإن المأساة السودانية ستظل تتكرر… ولكن بأسماء جديدة… وبنفس النتائج وربما أسوأ



