الأعمدة

مجزرة فض الاعتصام وتجديد العهد مع الثورة

رشا عوض
يوم التاسع والعشرين من رمضان الذي وافق الثالث من يونيو عام ٢٠١٩م كان يوما عصيبا من أيام السودان، يوم الطعنة الأولى الغادرة في ظهر ثورة ديسمبر المجيدة بخنجر العسكر و”كتائب ظل” الحركة الإرهابية المسماة إسلامية والتي تخصصت في تحويل أعياد السودانيين إلى مآتم!
خططت الثورة المضادة لأن يكون فض اعتصام القيادة العامة تصفية لسيرة ومسيرة ثورة ديسمبر المجيدة، وأن تكون تلك المجزرة الوحشية للثوار رادعا للشعب السوداني من مواجهة الطغيان والعودة إلى بيت الطاعة ونسيان أحلام الحرية والسلام والعدالة!
فض الاعتصام كان يمكن أن يتم بدون تلك الجرائم البشعة من قتل واغتصاب واختطاف وإخفاء قسري وحرق وسحل وربط للجثامين بالحجارة وإغراقها في النيل!
ولكن الهدف لم يكن مجرد فض الاعتصام! بل كان الانتقام من الثورة وإشاعة الرعب لهزيمة الثوار، فماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت في الاتجاه المعاكس لما أرادوا! إذ خرج المارد العظيم في مليونية الثلاثين من يونيو ٢٠١٩ رافضا لأول انقلاب على الثورة ورافعا راياتها، وكانت تلك أقوى إشارة للعسكر ولنظام الكيزان بأن إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء مستحيلة!
انحنى العسكر للعاصفة وقبلوا بمسار انتقال مدني ديمقراطي على أساس شراكة بين المكون العسكري (الجيش والدعم السريع) وقوى الحرية والتغيير تحكمها “الوثيقة الدستورية”.
تجربة تلك الشراكة ليست محصنة من النقد والفحص الدقيق لمواقع الخلل، بشرط أن يتم ذلك بنزاهة وأمانة في سرد الوقائع بعيدا عن محاولات تزوير التاريخ التي تتم بجرأة ومثابرة هذه الأيام، ومن أمثلة ذلك تصوير التفاوض مع المجلس العسكري ثم توقيع الوثيقة الدستورية ثم تشكيل الحكومة الانتقالية كخيانة للثورة ومؤامرة دبرت بليل من وراء ظهر الثوار! وهذا محض كذب وتزوير!
ما حدث كان تسوية في إطار ما يسمح به توازن القوى حينها، التفاوض لم يكن سرا مخفيا، يوم توقيع الوثيقة الدستورية في ١٧ أغسطس ٢٠١٩ كان يوما من أيام الثورة، خرجت فيه الحشود الضخمة في احتفالات مشهودة، فهل خرجت تلك المظاهرات الكبيرة في كل مدن السودان لمباركة خيانة الثورة؟
جاء قطر عطبرة الذي كان من أيقونات الثورة للمشاركة في الاحتفال يوم توقيع الوثيقة الدستورية!
الاحتفال بماذا؟
بفتح أفق جديد للتغيير وتحقيق أهداف الثورة بعد أن كان الأفق مسدودا بالحديد والنار غداة فض الاعتصام! بعد أن كانت الأمور تنذر بطي صفحة الثورة نهائيا وتدشين استبداد عسكري كيزاني!
حاولت الحكومة الانتقالية فتح هذا الأفق الجديد مسنودة بجماهير الثورة، في أحلك الظروف لم تخرج المليونيات لتطالب بالإطاحة بالحكومة الانتقالية بل خرجت تساندها وتطالبها بإنجاز أهداف الثورة، وعندما أصابت تلك الحكومة نجاحا في ملفات مهمة وكانت هناك بوادر انفراج في الاقتصاد والعلاقات الدولية وملفات إعفاء الديون تم الانقلاب العسكري عليها بواسطة العسكر ومن ورائهم الكيزان!
فلم تسقط حكومة الفترة الانتقالية لأنها فشلت! أو لأن الجماهير رفضتها وأسقطتها كما يدعي بعض المزورين!
الجماهير خرجت للدفاع عن مسار الانتقال المدني الديمقراطي في ٢١ أكتوبر ٢٠٢١ استباقا للانقلاب الذي كان متأهبا!
الجماهير خرجت صبيحة انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ ضد هذا الانقلاب وفقدت شهداء في منازلة العسكر!
الجماهير منذ ديسمبر ٢٠١٨ ظلت تخرج ضد الكيزان وبعد الإطاحة بالبشير ظلت تخرج ضد العسكر وتؤيد مسار الثورة وإنجاح الفترة الانتقالية مهما بلغت درجة اختلافها مع “قوى الحرية والتغيير”.
انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ كان الطعنة الغادرة الثانية في ظهر الثورة وقد فشل على مدى عامين في مجرد تشكيل حكومة!!
وعندما لاحت فرصة العودة إلى مسار الانتقال المدني الديمقراطي عبر الاتفاق الإطاري، سدد الكيزان عبر عناصرهم النافذة في الأجهزة الأمنية والعسكرية طعنة الغدر الثالثة إلى صدر الثورة هذه المرة!
هذه الحرب التي هدد بها الكيزان جهارا في إفطاراتهم الرمضانية وجلسات تآمرهم المسربة هي آخر طلقاتهم في صندوق ذخيرة الثورة المضادة! هي آخر خنجر مسموم غرسوه في جسد الشعب السوداني!
ومثلما نجت الثورة من طعنتي فض الاعتصام والانقلاب الذي لم تستسلم له، حتما ستنجو من طعنة الحرب!
طريق النجاة يبدو بأن نتوحد جميعا تحت راية السلام، السلام أولا وقبل كل شيء فهذه حرب إجرامية، فاقدة تماما لأي مشروعية وطنية أو أخلاقية، محض صراع سلطة وموارد يسحق أجساد السودانيين وأحلامهم ويجعلها قربانا لعودة نظام فاسد مستبد وأرعن للسلطة بعد أن أطاحت به ثورة شعبية!
وحده السلام الذي يجعل الحلم بسودان الغد ممكنا، والعمل لتحقيق ذلك الحلم في أرض الواقع متاحا، أما الحرب فتهدد بقاء السودان نفسه كوطن واحد، وتقزم أحلام ملايين السودانيين إلى مجرد النجاة من الرصاص والقصف العشوائي! إلى مجرد (كمشة بليلة) تسد الرمق! إلى مجرد الفرار من السودان نفسه!
الحرب لعينة وقبيحة ولذلك يجب أن نسعى لإيقافها، كما يجب أن نسعى لتجفيف منابعها ومعالجة أسبابها الجذرية، وعزل أي طرف تمثل الحروب بالنسبة له “ضرورة حياة سياسية واقتصادية”، ولن يتحقق ذلك بدون تغييرات عميقة في بنية الدولة السودانية تجعلها في حالة قابلية للتغيير بالوسائل السلمية، وصولا لنظام حكم مدني ديمقراطي فيدرالي يجعل طريق الوصول للسلطة صناديق الاقتراع لا صناديق الذخيرة، نظام دستوري تحتكر الدولة فيه العنف بواسطة جيش قومي مهني واحد، نظام من أركانه برنامج اقتصادي تنموي لصالح الأغلبية الفقيرة من سكان السودان.
طوبى لكل من ضبط بوصلته الفكرية والسياسية والأخلاقية في هذا الاتجاه، واستجمع قواه لاقتحام عقبات هذا الطريق الشاق والمعقد!
طوبى لكل الأرواح الطاهرة التي صعدت إلى بارئها (قبائل العيد) في ذلك الصباح الحزين من عام ٢٠١٩ وعبدت طريقنا نحو الحرية بدمها.
لكل أسر الشهداء والمفقودين نجدد التعازي لكم ولأنفسنا، ومن حقكم ومن حقنا الفخر بجسارة أبنائكم وأبنائنا.
وكما قال شاعرنا أزهري محمد علي:
الاعتصام انفض في شارع القيادة
لكن نبت في كل قطرة دم وقام
في كل بيت
في كل شارع
قام اعتصام
في كل شهقة وزفرة في صدورنا اعتصام
في كل قصة ثورة قدام !!

زر الذهاب إلى الأعلى