بقلم قاسم عبيد.
أستيقظت صباح يوم علي صوت أختي نفيسة الكبيرة، تصرخ أو تبكي..لستُ متأكد..فرحاً أم حزناً أيضاً لم أعلم.. فدموع أختي مضللة..دائماً تسقط..تفرح بها وتحزن أيضاً.. أحياناً أدركها في الليل تبكي بحرقة.. تخبرني أن السبب هو الغبار.. وأنا أعلم أن السبب هو أمي.. أمي القديسة مريم.. أهل القرية أسموها هكذا غير أنها أسمتني عيسى هل لأنها حقاً قديسة.. تبيع العجين المُر صباحاً بالسوق.. وبالنهار تعقد حبيبات اللالوب وتبيعها قُرب خلوة شيخ حامد.. الذي جعلها تحفظ القرأن مع نسوته.. وأصبحت أمي تُعلم نساء القرية ليلاً كلام الله..
في صغري كنت أعتقد أن أمي مريم هي الله..الأن أنا متأكد أنها ولية صالحه أو نبي الله الخضر..أفتخر بأن يناديني الناس عيسى ود مريم..المريم القديسة التي علمت نصف نساء القرية كيف يصلين وكيف يتلين كلام الله..حتى جاء الشيطان إلي القرية..عليه علامة صلاة منتصف جبينه..باحثاً عن متمردي القرية..أخبرته أمي أن هذه القرية تخلو من لفظ سلاح.. هذه القرية لا تعرف الموت.. لكنه لا يعرف شيء غير الموت أي الشيطان.. كان يرتدي زى أخضر ذكرني بدراويش الصوفية الدهماء..لكن عليه بقع أشد سواداً من الليل.. أعتقد أنها خطوات من مات علي يديه..
كان يملك أعين مدورة صغيرة كسحليه لكنها حمراء وكأنه لم ينم من يوم ولادته..هل الشيطان يُولد؟ لا أدري..كان الجنود ينادونه بشيخ كوشيب..وكان يصلي بهم كل أوقات الله.. كان بين فينه وأخرى يقول كلمات مثل كُفار مرتزقة.. دين الله.. وهي لله.. امي أجتمعت مع كبار القرية لتخبرهم أن هذا الرجل “ما حيخلينا بأخوي وأخوك”..وأنها تشم رائحة الموت تزحف خلفه ككلبة مطيعة.. وهي تشك بل تعتقد والآن متأكده أنه ينوي تشييد قاعدة عسكرية له ولرجاله..هذا يعني أننا سنموت ببطء..وستختفي النساء ليلاً..وستصبح أصوات الرصاص ساكنة معنا هنا.. لابد من أن يُطرد الشيطان..يجب أن يطرُد ليلاً..
صلت أمي العشاء حاضراً..أذكر أنها صلته طويلاً..بسورة مريم التي تحبها جدآ..لكن صوت البكاء جعل الصوت غير واضح فيه شي من البحة الجميلة..بعدها أتت وقبلتني علي رأسي وأنا أبن خمس..أبتسمت لها..كانت تحب أبتسامتي السوداء تلك التي تخلو من السنون..ولكن ولكن دائماً هنالك لكن…!
القديسة أمي ومع قرابة نصف رجال القرية وبعض النسوة الباسلات لم يرجعوا حتى يومنا هذا.
أخبرني الشيخ عباس، الناجي الوحيد من تلك الليلة بعدما كبرت، ما حدث هناك.. كان ينتظر أن يقوى عودي لكي أتحمل القصة كاملة..فأنا لم أصدق فكرة أنهم تاهوا عن القرية.. أخبرني أن اللقاء كان تراجيدياً بين أمي القديسة والشيطان الأخضر.. طلبت أمي منه بكل قوة وذوق أن لا مكان لهم هنا بعد اليوم.. وأن هذه القرية تخص أهلها..رواعيها.. دراويشها.. شيوخها.. مزارعيها..هذه القرية تخص الله..لكنه قال أن هذه أوامر الله.. وهذه القرية أصبحت فتح مبين..سيضاف لفتح مكة وخيبر في دهاليز التاريخ..وان جبريل الأن بنفسه يطوف القرية بجناحيه..
عندما رفضت أمي.. وأخرج الرجال سواطيرهم بعد أشارتها.. قال الشيطان لرجاله ما رميت أذ رميت ولكن الله رمى..وبعدها بدأت امطار الرصاص تنهال علي أجساد أصحاب القرية ودُفن الجميع هنالك بخور كبير..سميناه علي أسم الشيطان..حتى لا ننسى أن نلعنه كلما يذكر أسمه.
أكتشفت أن سبب بكاء اختي بالأمس أن الشيطان قُبض عليه.. وعندما فتح فاه للحديث طلب من الجميع دقيقة صمت علي ارواح الضحايا.. وكأنه نسى أن صوت أمي مريم والجميع صامتة منذ عقود بسببه..فلماذا الصمت الأن؟..أختي أخبرتني أنها ذاهبة مع زوجها أحمد لخور كوشيب..حيث قبر أمي القديسة مريم.. ترقد هناك ومعها قرابة نصف رجال القرية وبعض من نسائها..ستذهب هناك لتبكي لا لتصمت.. لتخبر أمي أن الشيطان قد قُبض عليه..وأن الله لم يمهله إلي يوم يبعثون.. لتخبر أمي أن الشيطان سيُكبل للأبد.. لن يفتح قرى بأسم الله..وأنه لن يقتلك مجدداً.
“الصورة من أمام خور كوشيب”



