كيف ينفلق هذا البحر، وكيف يسقط الرطب، وكيف يولد السلام… من حيث لم نحتسب. فقط خطوة مني خطوة منك .. لنستعيد بلادنا من هذا الجنون
لم يكن الله سبحانه وتعالى بحاجة لأن تهزّ مريم عليها السلام جذع النخلة، وهي في أضعف لحظاتها، حتى يتساقط عليها الرطب الجنيّ.
ولم تكن عصا موسى عليه السلام هي التي تشقّ البحر، ولا الضربة هي التي تصنع المعجزة.
لكنه، جلّ في علاه، أراد أن يربّي فينا معنىً لا تقوم الحياة بدونه:
أن الرحمة تُستدعى بالسعي، وأن الفرج يُطرق بيدٍ تتحرك، ولو كانت مرتجفة.
في تلك اللحظة، كانت مريم وحدها، مثقلة بالألم، يكاد الجسد يخونها، ومع ذلك قيل لها: هزّي.
ليس لأن الجذع ينتظر قوتها، بل لأن السماء تنتظر إرادتها.
هزّت، فسقط الرطب.
لا لأن يدها أسقطته… بل لأن الله بارك المحاولة.
وفي مشهد آخر، كان البحر أمام موسى، ممتدًا كخوفٍ لا نهاية له، والعدو خلفه، والنجاة تبدو مستحيلة، ومع ذلك جاءه الأمر: اضرب.
ضربةٌ في ظاهرها لا تغيّر شيئًا، لكنها في ميزان الله كانت مفتاح الطريق.
فضرب… فانفلق البحر، وصار المستحيل ممرًا.
بين “هزّي” و”اضرب”، تختبئ رسالة رقيقة وعميقة:
أن الله لا يريد منا أن نكون عاجزين متكئين على الدعاء وحده، ولا متكبرين نظن أن الجهد وحده يكفي،
بل يريد قلبًا يدعو… ويدًا تعمل.
نحن اليوم، نقف في زمنٍ يشبه ذلك البحر، حربٌ تتلاطم أمواجها، ووجعٌ يمتدّ في القلوب كليلٍ طويل.
ننظر حولنا، فنرى الموت، ونسمع الفقد، ونكاد نُسلّم أن لا شيء سيتغير…
فنصمت.
ننتظر.
نؤجل.
لكن السلام لا يسقط كما يسقط المطر على أرضٍ لم تُحرث،
ولا يولد الفرج في قلوبٍ قررت أن تستسلم قبل أن تحاول.
العيد يأتي، لا ليغطي الجراح، بل ليوقظ فينا ما كدنا ننساه:
أن الحياة، مهما أثقلتها الحروب، لا تزال تستحق أن نُحاول لأجلها.
أن الفرح ليس صدفة، بل أثرٌ لسعيٍ صادق، ولو كان صغيرًا.
قد لا نملك أن نوقف الحرب وحدنا،
لكننا نملك أن نرفضها،
أن نكسر صمت الخوف بكلمة حق،
أن نمدّ يدًا لمن أنهكه الطريق،
أن نُبقي الأمل حيًا في وجه اليأس.
قد يبدو ذلك ضئيلاً… كهزّ جذع نخلة،
أو كضربة عصا أمام بحرٍ لا ينتهي،
لكن الله الذي أسقط الرطب، وهو يعلم ضعف اليد،
هو نفسه الذي يفلق البحار حين يرى صدق الخطوة.
في هذا العيد، وبين أصوات التكبير ووجع الغياب،
لعلّ أعظم ما يمكن أن نحمله في قلوبنا ليس أمنيةً عابرة،
بل يقينًا هادئًا:
أننا لسنا مطالبين بصنع المعجزة،
بل بأن نكون أهلًا لها.
أن نُحسن السعي،
أن نُخلِص النية،
أن نخطو، حتى لو كانت خطواتنا متعبة ومكسورة.
ثم نترك لله ما لا نقدر عليه…
فنرى، يومًا ما،
كيف ينفلق هذا البحر،
وكيف يسقط الرطب،
وكيف يولد السلام… من حيث لم نحتسب.
فقط خطوة مني خطوة منك .. لنستعيد بلادنا
من هذا الجنون
عثمان فضل الله
#SaveSudan
#stopthewar
#حرب_الندامة
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية



