الأعمدة

“عيون لا ترى… وقلوب تقرأ المستقبل بابا فانغا وليلى عبد اللطيف: امرأتان على حافة الغيب”

كتب: معاوية أبوالريش
أولاً: من رحم الظلام وُلدت النبوءة
في قرية بوغدانوفتسي النائية بأحضان البلقان، حيث تتكاثف غيوم الشتاء وتنتحب رياح الجبال، وُلدت عام 1911 طفلةٌ اسمها فانغيليا بانديفا غوشتيروفا. لم يكن أحد يعلم حينئذ أن هذا الاسم سيتحول يوماً إلى رمز يتردد صداه في عواصم الدنيا، وفي أسرار أجهزة الاستخبارات، وعلى صفحات الصحف الكبرى، وفي هواجس الرؤساء والملوك. حين بلغت الثانية عشرة من عمرها، اجتاحت قريتها عاصفةٌ هوجاء لتسرق منها ما لا يُعوَّض: البصر. فتحوّلت من فتاة تنظر إلى الأفق إلى امرأة تدّعي النظر إلى ما وراء الزمن. وكأن قانوناً كونياً غريباً قضى بأن لكل ما يُسلَب من الإنسان ثمناً يُعوَّض، فكلما أُغلق بابٌ من أبواب الحواس، انفتحت نافذة إلى أسرار الغيب.
على الضفة الأخرى من المتوسط، حيث تنام بيروت على وسادة من الدم والجمال، كانت طفلة أخرى تنمو في أحضان مدينة لا تنام. اسمها ليلى عبد اللطيف، وُلدت في السابع عشر من يناير عام 1958. كان والدها مفتياً مصرياً في الجامع الأزهر وأمها لبنانية الأصل، ففي عروقها التقت الشريعة بالشام. بعد رحيل والدها مبكراً، وما تبعه من اضطرابات صحية وصفتها هي ذاتها بشحنات كهربائية غريبة في رأسها، بدت كأنها تستلم من الغياب إرثاً روحانياً لا يوجد في الكتب ولا في الجامعات.
امرأتان، إذاً، تفصل بينهما قارات وثقافات وأجيال، لكنهما تلتقيان على ضفة واحدة: الادعاء برؤية ما لا يُرى، وقول ما لا يُقال إلا همساً خلف أبواب التاريخ.
ثانياً: بابا فانغا.. «نوستراداموس البلقان»
لقّبها المقربون والباحثون بـ”نوستراداموس البلقان”، وعاشت معظم حياتها في منطقة روبيت الجبلية بجنوب بلغاريا، تستقبل الزوار من عامة الناس والزعماء والمسؤولين على حدٍّ سواء. وقد ذاع صيتها حتى وصل إلى أروقة الكرملين نفسه، إذ أرسلت المخابرات السوفيتية ضباطها إلى بلغاريا مراراً لدراسة قدراتها، ووصفها أحد ضباط الكي جي بي بأنها كانت “مفاجئة أكثر مما تتوقع أجهزة الاستخبارات” وفي عام 1966، قرّرت الحكومة البلغارية وضعها على رواتب الدولة وتخصيص سكرتيرين لها، وهو اعتراف رسمي نادر بشخص يدّعي امتلاك قدرات خارقة. وقد أعادت بلغاريا تكريمها بعد وفاتها عام 1996 بإقامة متحف في بيتها يضم مقتنياتها الشخصية، ويستقبل زوّاراً من أنحاء العالم حتى اليوم.
ثالثاً: سجل فانغا الذهبي – التنبؤات التي تحققت:
تعدّ هذه القائمة جوهر ما يجعل فانغا أسطورةً حيّة في ذاكرة العالم، إذ نُسب إليها التنبؤ بأحداث فارقة قبل وقوعها بسنوات أو عقود:
الحرب العالمية الثانية: تنبأت وهي في مطلع شبابها ببداية الحرب العالمية الثانية ونهايتها، وبما ستخلفه من دمار وخراب يطال القارة الأوروبية بأسرها.
وفاة ستالين: أشارت إلى تاريخ وفاة الزعيم السوفيتي ستالين قبل حدوثها، في تنبؤ أذهل المقربين منها في موسكو.
كارثة تشيرنوبيل: حذّرت من كارثة نووية مروّعة ستضرب الأراضي السوفيتية، وهو ما تجسّد في انفجار مفاعل تشيرنوبيل عام 1986 الذي أرعب العالم وشرّد الملايين.
تفكك الاتحاد السوفيتي: تنبأت بسقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه، في وقت كانت فيه موسكو لا تزال تبدو صرحاً شامخاً لا يُقهر.
هجمات الحادي عشر من سبتمبر: في عام 1989، قالت إن الولايات المتحدة ستتعرض لهجوم إرهابي من “طائرتين”، وهو ما وقع بالفعل حين اخترقت الطائرتان المخطوفتان برجَي التجارة العالمي في نيويورك عام 2001.
وفاة الأميرة ديانا: تنبأت برحيل مأساوي لأميرة بريطانية، وهو ما قرأه كثيرون لاحقاً في وفاة الأميرة ديانا في نفق الألما في باريس عام 1997.
اغتيال إنديرا غاندي: أشارت إلى أن رئيسة وزراء الهند ستلقى حتفها على يد أحد المقربين منها، وهو ما حدث حين اغتالها حرّاسها الشخصيون عام 1984.
موجة تسونامي في تايلاند: تنبأت بكارثة مائية مدمّرة ستضرب جنوب شرق آسيا، وهو ما تجسّد في موجة تسونامي المروّعة عام 2004 التي أودت بحياة أكثر من مئتي ألف شخص.
انتخاب باراك أوباما: تنبأت بأن الولايات المتحدة ستنتخب رئيساً أمريكياً من أصل أفريقي، وهو ما تحقق مع فوز أوباما عام 2008.
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت): تنبأت بأن بريطانيا العظمى ستنفصل عن الاتحاد الأوروبي، وهو ما جرى عام 2020 بعد استفتاء تاريخي.
فيروس كورونا: أفاد مترجمها الشخصي تودور تودوروف ومقرّبون آخرون بأنها حذّرت في تسعينيات القرن الماضي من أن البشرية ستُصاب في “عام المرآة” بـ”وباء خطير جداً يؤدي إلى موت مئات الملايين”، وأن “الخراب سيأتي من الأصفر”، في إشارة فسّرها الجميع لاحقاً بالصين التي انطلق منها وباء كوفيد-19 عام 2020.
الحرب الروسية على أوكرانيا: أشارت إلى توترات مسلحة كبرى بين روسيا وجيرانها، فسّرها كثيرون على ضوء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
فوز يلتسين بالانتخابات: توقعت في وثيقة موثّقة فوز بوريس يلتسين بانتخابات الرئاسة الروسية عام 1995، وحذّرت الأخير في اللقاء ذاته من مشكلة في قلبه.
رابعاً: ما تنتظره الأيام من تنبؤات فانغا
وإلى جانب ما تحقق، ثمة نبوءات منسوبة إلى فانغا لا تزال معلقة في فضاء الغد، ينتظر الناس تحققها أو انهيارها:
تنبأت في مقابلة عام 1979 بأن روسيا ستهيمن على العالم وأن فلاديمير بوتين سيكون “سيد العالم”، لكن روايات أخرى تتحدث عن صعود زعيم روسي جديد مطلع عام 2026. وتنبأت بأن الصين ستكون القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى عالمياً وأن الولايات المتحدة ستتراجع أمام صعودها. وتنبأت أيضاً بإصابة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمرض خطير، وبحرب عالمية ثالثة تشارك فيها القوى الكبرى وتُلقي بظلالها على مصير الحضارة. أما أبعد تنبؤاتها وأكثرها إثارة، فإنها رسمت خطاً زمنياً يمتد حتى عام 5079، يشمل غزو النظام الشمسي والتواصل مع حضارات فضائية، ليختم بما وصفته بـ”نهاية العالم المطلقة” جراء حدث كوني لا يمكن تخيله.
خامساً: ليلى عبد اللطيف.. «سيدة التوقعات» من بيروت
بينما كانت فانغا تجلس في صمتها البلغاري المهيب بعيداً عن الأضواء، تنزل ليلى عبد اللطيف إلى الشاشات وتُطل على الملايين بجرأة مدهشة. لقّبها محبوها بـ”سيدة التوقعات”، واكتُشفت موهبتها صدفةً حين اصطحبها أحد أقاربها عام 1990 إلى المتنبئ اللبناني سمير طنب، الذي أدرك فوراً ما تنطوي عليه من خصائص نادرة، فاقترح عليها المشاركة في برنامج “مرايا الحظ”، لتنطلق من ذلك اليوم مسيرتها الطويلة في عالم التنبؤ والشهرة.
ليلى ليست عمياء مثل الجدة فانغا، ولا تعيش في عزلة جبلية. إنها امرأة من بيروت، تجلس أمام الكاميرا وتتكلم بلغة أهل المنطقة، وتُفرد أصابعها على وجوه المتسائلين كأنها تقرأ حروفاً لا يراها سواها.
سادساً: سجل ليلى – التنبؤات التي تحققت:
يحمل سجل ليلى عبد اللطيف جملةً من التنبؤات التي وافقت أحداثاً حقيقية، وإن كانت ذات طابع أكثر إقليمية من تنبؤات فانغا الكونية:
ثورات الربيع العربي: تنبأت قبل أحداث عام 2011 بموجة اضطرابات وتحولات سياسية عارمة ستجتاح المنطقة العربية وتُسقط أنظمة متجذرة، وهو ما تجسّد في الثورات التي اجتاحت تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا.
الاغتيالات في لبنان: حذّرت مرات عدة من موجات اغتيال ستعود إلى لبنان وتطال شخصيات بارزة، وهو ما تكرر في الساحة اللبنانية على مدى سنوات.
وباء كورونا: أشارت إلى خطر وبائي كبير قادم سيُشلّ حركة العالم ويُغلق المطارات والحدود، في توقع أثار مقارنة واسعة مع ما حدث لاحقاً عام 2020.
الحرب الروسية على أوكرانيا: تنبأت باندلاع حرب كبرى في أوروبا تجرّ القوى العالمية إلى حالة من الاستنفار والاصطفاف، وهو ما تجلّى في الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
انسحاب بايدن من السباق الرئاسي: أعلنت قبل أشهر من القرار أن الرئيس الأمريكي جو بايدن لن يكمل المعركة الانتخابية، وهو ما تحقق حين أعلن انسحابه من سباق الرئاسة عام 2024.
الحرب الإسرائيلية على لبنان: حذّرت في لقاء مع الإعلامي عمرو أديب من عدوان إسرائيلي وشيك على لبنان سيطال مناطق محددة، وهو ما تحقق بعد أسابيع من تصريحها مع أحداث تفجيرات “البيجر” والاجتياح الإسرائيلي.
اغتيال يحيى السنوار: تنبأت باغتيال قيادي بارز في حركة المقاومة، وهو ما ربطه كثيرون بمقتل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس.
الإفراج عن هانيبال القذافي: توقعت الإفراج عن نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وهو ما تحقق بالفعل.
افتتاح المتحف المصري الكبير: تنبأت بافتتاح صرح ثقافي مصري كبير سيكون حدثاً عالمياً، وهو ما تجسّد في الافتتاح التاريخي للمتحف المصري الكبير.
فوز المغرب ببطولة كأس العالم للشباب: توقعت انتصاراً كروياً عربياً مدوّياً على الساحة الدولية.
سقوط بشار الأسد: وإن لم تُصرّح باسمه صراحةً، فقد تنبأت بتحولات جذرية في سوريا وسقوط نظام قائم، وهو ما أشعل حديثاً واسعاً حين سقط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
سابعاً: ما تنتظره الأيام من تنبؤات ليلى
أما توقعاتها التي لا تزال تنتظر الزمن، فأبرزها: محاولة اغتيال حاكم عربي وشخصية عسكرية رفيعة خلال عام 2026، وحادثة مأساوية تطال أحد أفراد العائلة المالكة البريطانية تُعيد إلى الأذهان مأساة الأميرة ديانا، وظهور رئيس دولة كان قد أُعلن عن اغتياله ليتبيّن أنه لا يزال حياً. كذلك تنبأت بكارثة طبيعية ضخمة بين أمريكا وأوروبا، وانهيار عالمي لشبكات الإنترنت بسبب مؤامرة منظمة.
ثامناً: المقارنة.. روحان على جانبي البحر المتوسط
ثمة خيوط لافتة تربط هاتين المرأتين وتجعل مقارنتهما أمراً مثيراً:
الجرح الذي فتح العين الباطنة: كلتاهما مرّت بكسر شخصي مبكر جعلها تتجه نحو الداخل. فانغا فقدت بصرها في عاصفة، وليلى فقدت والدها مبكراً وعانت من اضطرابات صحية وصفتها بشحنات كهربائية غريبة. كأن الألم هو الثمن الذي تطلبه الرؤية من أصحابها.
الاهتمام الرسمي بهما: فانغا استقطبت اهتمام الكي جي بي وكبار المسؤولين الروس. أما ليلى فاستضافتها أكبر الفضائيات العربية وكان ظهورها حدثاً إعلامياً في حد ذاته.
الغموض المتعمد: لا توجد سجلات مكتوبة مباشرة لتنبؤات فانغا، وكذلك تنبؤات ليلى كثيراً ما تظل فضفاضة قابلة للتأويل في أكثر من اتجاه، مما يتيح لها دائماً هامشاً من الصحة مهما اتجهت الأحداث.
الانتقاء الجغرافي: فانغا اهتمت بأحداث أوروبا وروسيا والغرب، في حين تتمحور تنبؤات ليلى حول الشرق الأوسط والشأن العربي. كأن لكل عرافة “حدودها الروحية” التي تطل منها على الغيب.
نسبة الإصابة: يرى كثير من الباحثين أن نحو سبعين في المئة من تنبؤات فانغا الموثقة جاءت دقيقة، فيما أخفقت أخرى إخفاقاً ذريعاً، كتنبؤها بحرب عالمية ثالثة عام 2010 التي لم تقع. أما ليلى فحالها مشابه: بين توقعات تصيب فتُشهَّر وأخرى تخيب فتُنسى.
تاسعاً: الغيب بين الإيمان والعلم
لا بد لكل من كتب عن فانغا أو ليلى أن يقف أمام السؤال الأكبر: هل ثمة حقيقة في كل هذا؟
المنهج العلمي يتوقف ليسأل: أين هي الوثائق؟ أين التسجيلات الحرفية قبل وقوع الأحداث لا بعدها؟ وعلم النفس يجيب بأن البشر يتذكرون ما يصدق ويتجاهلون ما يخيب، ويؤوّلون الكلمات المبهمة بما يتوافق مع ما حدث. وهو ما يُفسر لماذا يبدو كلام العرّافين صحيحاً دائماً في نظر معجبيهم.
غير أن المنصف لا يستطيع أن يُغلق الملف بهذه البساطة. فثمة صدف مدهشة، وتواريخ محددة، وأحداث دقيقة لا يسهل ردّها إلى مجرد المصادفة. وهذا بالذات هو ما يُبقي هاتين المرأتين حاضرتين في خيال الناس ووجدانهم جيلاً بعد جيل، فكلما وقعت كارثة أو اهتز عرش أو سقط زعيم، استُحضر اسم إحداهما كأنها كانت تعرف.
خاتمة: حين يُؤنَّث المستقبل
ربما القاسم المشترك الأعمق بين فانغا وليلى عبد اللطيف هو أن كلتيهما أعادتا إلى المرأة مكانة الكاهنة والحكيمة، تلك المرأة التي كانت في قديم الحضارات تقف على عتبة المعابد وتُسمّع الملوك ما لا يريدون سماعه.
سواء كنا أمام موهبة حقيقية أم أمام ظاهرة اجتماعية تغذيها حاجة الإنسان الأزلية إلى اليقين في زمن الضباب، فإن النتيجة واحدة في كلتا الحالتين: الناس يسمعون، يترقبون، ويُحصون. وما دامت الحياة تجري بمفاجآتها الدامية وتحولاتها الصاخبة، ستظل عيون العمياء البلغارية وكلمات المرأة البيروتية تُلقي بظلالها على أسئلة الغد الذي لا يعرف أحد كيف يقرأه.

زر الذهاب إلى الأعلى