على شواطئ المهنة، حيث تمتد الرمال ذكرياتٍ والمواقف مدّاً وجزراً، لا تهدأ “أمواج ناعمة” عن مداعبة صخور الحقائق، ولا يكف القلم عن استرداد ملامح الرفاق الذين عبروا لُجّة الحبر بقلوبٍ جسورة. وفي هذه الحلقة (٣٠) من “تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية”، نرسل برقياتٍ مستعجلة، لكنها محملة بوزن السنين وعمق الوفاء؛ برقياتٍ لا تكتبها الرموز الجامدة، بل تسطرها تجارب جيل جعل من الصحافة رسالة حياة، واختار أن يقتفي أثر خطىً تركت وراءها شواطئ الراحة لتبحر في عُباب الأسئلة الكبرى. نقف اليوم أمام قامتين صحفيتين تجمعهما ملامح الابتكار وتفرقهما دروب التخصص؛ فمن مدرسة المغامرة التي أسسها عادل الباز في أروقة السياسة والتحرير، إلى منطقة الضجيج والأضواء التي طوّعها هيثم كابو في عوالم الفن والرياضة، نفتح صفحات هذه الحلقة لنقرأ في سيرتين صنعتا من الحبر موقفاً، ومن الحقيقة سيرةً لا تُنسى.
عادل الباز
عادل مدرسة المغامرة في صحافة لا تهدأ..
ففي صحافة تشبه البحر، حيث لا تستقر الأمواج على حال، يبرز اسم عادل أحمد الباز كأحد أولئك الذين لم يكتفوا بالوقوف على الشاطئ، بل اختاروا أن يخوضوا الماء عميقًا، ومغامرًا، ودون ضمانات للنجاة.
لم يأتِ الباز إلى المهنة محمّلا بيقين مكتمل، بل دخلها تلميذًا كما يحب أن يقول يتلقف الدرس من أفواه الزملاء قبل أن يكتبه بيده. تدرّج بين أقسامها، من محرر إلى مدير تحرير، حتى صار رئيسا لتحرير صحف بارزة مثل الأحداث والرأي العام، لا يديرها فقط، بل يعيد تشكيل روحها.
لكن الحكاية لم تتوقف عند سقف التحرير، فحين ضاقت المهنة بأسئلتها، وسّعها بالمغامرة. خاض تجربة “الناشر” كمن يختبر المطبخ بعد أن أتقن التذوق، فاكتشف أن للصحافة وجوها أخرى لا تُرى من مقعد رئيس التحرير: تعقيدات الاستثمار، وهواجس الاستمرار، وأسئلة البقاء في زمن تتآكل فيه الصحف كما تتآكل حواف الورق القديم. ومع ذلك، لم يندم، كان يرى في كل مغامرة نجحت أو تعثرت درجةً أخرى في سُلّم المعرفة.
هو، في جوهره، كائن لا يهدأ، يؤمن أن الإبداع ليس ترفًا بل شرط للحياة، وأن التوقف عن الابتكار يشبه في لغته التوقف عن التنفس.
في كتاباته، خاصة عبر زاويته الشهيرة “فيما أرى”، لا يقدّم الباز رأيًا بقدر ما يفتح نافذة. يكتب عن السودان، عن حروبه وتحولاته، عن السياسة حين تتعثر، وعن القانون حين يُستدعى متأخرًا. يحلل، وينقّب، ويقرأ ما بين السطور، كمن يحاول إنقاذ المعنى من الغرق. لكنه في العمق ليس مجرد كاتب، بل صانع أسئلة.
وعلى قسوته المهنية، يحتفظ الباز بقلب يعرف كيف يفرح. يسعد حين يقرأ نصًا جيدًا لصحفي شاب، كأنما يسمع على حين غفلة أغنية لأم كلثوم. يتوقف، يتصل، يعلّق، لأن الجمال في نظره يستحق أن يُحتفى به فورًا. وفي المقابل يغضب، لا حين يختلف معه الآخرون، بل حين يخونون المهنة، حين تتحول الكلمة إلى بوق والحقيقة إلى سلعة، هناك فقط يشعر بمرارة تشبه الخذلان.
اتخذ قرارات صعبة، كان أقساها إغلاق صحيفة الأحداث، كمن يطفئ مصباحًا بيده وهو يعرف كم من الضوء كان يمنحه. لكن ذلك الإغلاق لم يكن نهاية الحكاية، بل فاصلا مؤقتا في سيرة تعرف كيف تعيد كتابة نفسها. فقد عادت الأحداث لاحقا، لا كما كانت، بل كما ينبغي أن تكون: أكثر وعيًا بتحولات المهنة، وأكثر قدرة على استيعاب تحديات ثورة الإعلام الرقمي، منتظمة الصدور كأنها تستأنف الحياة بذاكرة أعمق وبخبرة مُصفّاة من كل ما سبق. وهناك، يسكب الباز عصارة تجاربه وخلاصة مغامراته وإبداعاته التي لا تهدأ.
عادل الباز ليس “ناظر مدرسة” كما ينفي عن نفسه، لكنه دون أن يدري صار مدرسة؛ مدرسة في المغامرة، في الخطأ والتعلّم، وفي الإصرار على أن تظل الصحافة حيّة حتى وهي تمشي أحيانًا على حافة الخوف.
هيثم كابو
في المسافة بين الأضواء والضجيج، حيث تختلط الحقيقة بالنجومية وتتشابك الكواليس مع ما يُعرض على المسرح، يبرز اسم هيثم أحمد محمد إدريس أو كما يعرفه الوسط: “كابو” كواحد من أولئك الذين لم يكتفوا بمراقبة المشهد، بل صاروا جزءًا من إيقاعه.
لم يكن كابو صحفيا عابرا في دهاليز الفن، بل صانع حضور في منطقة حساسة، حيث تُدار الحكايات بنصف حقيقة ويُخفى النصف الآخر خلف ابتسامة نجم أو صمت فنان. هناك، شقّ طريقه بأسئلة لا تخشى الاقتراب، وبأسلوب مباشر كأنه يزيح الستار بيده لا بقلمه فقط.
تخصص في الصحافة الفنية، لكنه لم يتعامل معها كمساحةٍ خفيفة أو ترفٍ ثقافي، بل كحقلٍ مليء بالتوترات الإنسانية: صراعات النجوم، تحولات الذائقة، ومناطق الظل التي لا تُروى إلا لمن يعرف كيف يسأل. عمل في عدد من الصحف السودانية، وتدرج حتى تولى رئاسة تحرير صحيفة “فنون”، حيث لم يكن يدير المحتوى بقدر ما يعيد تعريفه.
لكن كابو، كعادته، لم يكتفِ بسطحٍ واحد، بل انتقل إلى الشاشة حيث صار صوته وصورته امتدادًا لأسئلته. عبر برامجه على قناة “البلد”، لم يكن مجرد مقدم، بل محاورٌ يقترب من ضيوفه كما لو كان يعرفهم منذ زمن، يستخرج منهم ما بين السطور ويضع المشاهد أمام حكايةٍ أكثر اكتمالا.
وفي موازاة الفن، كان هناك ملعبٌ آخر حيث الكرة لا تقل سخونة عن العناوين. داخل أروقة نادي المريخ، لم يكن كابو مجرد اسم إداري، بل صوتا حاضرا، مدافعًا ومشاركًا في صناعة القرار. جمع بين الإعلام والرياضة، وبين الكلمة والموقف، حتى صار جزءًا من سردية النادي لا مجرد ناقلٍ لأخباره.
ما يميز كابو في النهاية ليس فقط تنوع مساراته، بل تلك الجرأة التي تسكن طريقته في الاقتراب؛ فهو لا يلتف حول السؤال ولا يهادن حين يرى أن الحقيقة تستحق المواجهة. علاقاته الواسعة مع الفنانين والرياضيين لم تكن بابا للمجاملات، بل مفتاحًا للوصول إلى ما هو أعمق.
هيثم كابو ليس مجرد صحفيٍ يتنقل بين الفن والرياضة، بل حالةٌ تتحرك في منطقة ساخنة، حيث الخبر يولد من الاحتكاك، والحقيقة أحيانًا، تحتاج إلى من يجرؤ على قولها بصوتٍ عالٍ.
نواصل بحول الله وتوفيقه،،،،،



