أضحي الإعلام هو المعقل الأخير لفلول الحركة الإسلامية ويتضح ذلك من خلال تزييف الوعي بفرية “حرب الكرامة”

بقلم: #نفيسة_حجر
بينما كانت الحركات الإسلامية تعتمد تاريخياً على التنظيم الميداني والقواعد النقابية، أدى سقوط مشروعهم السياسي وانحسار قاعدتهم الشعبية إلى التقوقع داخل “الآلة الإعلامية”؛ تلك القلعة الأخيرة التي يحاولون من خلالها خوض معركة بقاء يائسة فوق أنقاض الوطن.
ومن رحم هذا الانحسار، وُلدت فرية “حرب الكرامة” كأكبر عملية “تغبيش” وتزييف للوعي في العصر الحديث، حيث لم يخرج هذا الشعار من معاناة المواطن النازح، بل نُسج بعناية في غرف “التوجيه المعنوي” التابعة للتنظيم. بهدف إقناع البسطاء بأن الصراع ليس على سلطة مفقودة، بل هو معركة وجودية للدولة، في محاولة بائسة لغسل عار سنوات من الفشل السياسي عبر ضجيج المدافع وتغييب الحقائق.
ولأن هذه الفرية تفتقر للمصداقية الواقعية، فقد تطلب ترويجها انحداراً أخلاقياً غير مسبوق في إدارة المشهد، تجلى في تحالف عضوي ومقزز بين إعلاميي النظام البائد وبين من يُعرفن بـ “القونات” وساقطي المجتمع الذين تم استقطابهم كأدوات للتعبئة الرخيصة. وبموجب هذا التحالف، تم توزيع الأدوار بدقة فبينما تم توظيف شخصيات مثل ندى القلعة وميادة قمر الدين لتبسيط الحرب وتحويلها إلى مادة للردح السياسي عبر الأغاني الحماسية الجوفاء، تُركت المهمة القذرة للأصوات التي تقتات على بذاءة اللسان وتزييف الحقائق عبر “البث المباشر”، أمثال ما يعرف بـ “الانصرافي” و”أبو رهف” و”ذا النون”. هؤلاء جميعاً ليسوا سوى “تروس” في ماكينة تضليل واحدة، يمارسون “الاغتيال المعنوي” لكل صوت حر ويضخون سموم الكراهية تحت غطاء “العفوية الوطنية” الزائفة، مستغلين المنصات الرقمية لتخدير عقول البسطاء ببطولات وهمية.
ولم يكتفِ هذا التيار بتوظيف الأصوات الهابطة لتخدير العاطفة، بل سعى لإضفاء مسحة من “العقلانية الزائفة” عبر اجتياح القنوات الفضائية بجوقة ممن يسمون أنفسهم “خبراء استراتيجيين”. هؤلاء يكملون دور “القونات” ولكن بلغة عسكرية مصطنعة؛ فمهمتهم هي تبرير الدمار وتسويق الأوهام الاستراتيجية لفرية الكرامة، ليعملوا كأدوات تخدير تمنع الوعي الشعبي من التساؤل عن الثمن الباهظ الذي يدفعه المواطن من أمنه وحياته. وهكذا، يتكامل دور “الخبير” مع “القونة” مع “أبواق اللايفات” لخلق “فقاعة” إعلامية ضخمة تحاول الانفصال عن الأرض، متجاهلة مرارة الواقع الإنساني للنازحين واللاجئين الذين يصطدمون يومياً بزيف هذه الشعارات.
آخر قولي:
لقد كشفت الحرب أن الإعلام هو “المعقل الأخير” لهؤلاء، والساحة الوحيدة للمناورة بوجوه “القونات” وأقلام “النظام” وأبواقه المأجورة وخبراء الزيف الفضائي. لكن التاريخ يثبت أن الجيوش الإلكترونية مهما تكاتفت تروسها، قد تنجح في “تغبيش” الوعي مؤقتاً، لكنها تعجز عن تزييف الواقع إلى الأبد؛ فالكرامة الحقيقية لا تُستعاد عبر الشاشات المأجورة وبذاءات “اللايفات”، بل عبر حفظ دماء الإنسان السوداني وصون وجوده فوق أرضه.



