الأعمدة

ثلاثة أعوامٍ مضت كأنها سيرةٌ تُروى لا تُحصى، منذ أن حطّت بي الرحال في مصر في أبريل 2023،

ثلاثة أعوامٍ مضت كأنها سيرةٌ تُروى لا تُحصى، منذ أن حطّت بي الرحال في مصر في أبريل 2023، تنقّلت بين مدينة بدر ومدينة السادات، وقبلهما فيصل والهرم، حتى استقر المقام في العمرانية. لم تكن تلك مجرد تنقّلاتٍ جغرافية، بل كانت عبورًا في طبقات الروح المصرية، واكتشافًا لجوهرٍ لا تلتقطه عدسات الهاتف، ولا تختزله منشورات عابرة.
في الشارع المصري، لا تُقاس المسافات بالأمتار، بل بقدر ما يُفتح لك من قلوب. هنا، يُفسح لك البائع مكانًا في ظلّه قبل أن يبيعك، ويُحييك العابر كأن بينكما معرفة قديمة، وتجد في عيون البسطاء لغةً صامتة تقول: “أنت بين أهلك.” لم تكن تلك مواقف استثنائية، بل كانت القاعدة التي تتكرر حتى تظنها طبيعة الأشياء.
ثلاثة أعوام، ولم تلتقط ذاكرتي نظرةً جارحة، ولا موقفًا يُشعرني بالغربة. كأن هذا البلد، الذي أثقلته القرون، قد تعلّم كيف يخفّف عن الغريب ثقل غربته. هنا، لا يُسأل الإنسان من أين جاء بقدر ما يُسأل: هل ارتاح؟ هل وجد مكانه؟
لكن، في الجهة الأخرى، على الضفة الباردة من العالم، حيث الشاشات تضيء ولا تُدفئ، يتسلل إليك وجهٌ آخر. كلماتٌ حادة، تعليقاتٌ غريبة، ونبرةٌ لا تشبه من صافحتهم في الطرقات. ترى بعض الحسابات تحمل أسماء مصرية، فتتساءل: أيّ مصر هذه التي تتكلم من خلف الزجاج؟ وأيّ مصر تلك التي تعيشها كل يوم؟
الحقيقة أن وسائل التواصل ليست مرآةً صافية، بل هي في كثير من الأحيان غرفةُ صدى، يتضخّم فيها الصوت النشاز حتى يخيّل للسامع أنه اللحن كله. هناك، يُمنح الغضب مساحةً أوسع من الحكمة، وتُكافأ المبالغة أكثر من الاعتدال، ويُعاد تدوير القبح حتى يبدو وكأنه واقعٌ عام. لكن الواقع الحقيقي، ذاك الذي يُعاش لا يُنشر، يظل أكثر هدوءًا… وأكثر صدقًا.
المصريون الذين عرفتهم لا يكتبون كثيرًا، لكنهم يفعلون. لا يجادلون طويلًا، لكنهم يُحسنون الاستقبال. لا يرفعون شعاراتٍ كبيرة، لكنهم يمارسون إنسانيتهم في التفاصيل الصغيرة: في كوب شاي يُقدّم دون مقابل، في دعاءصادق من أمام مسجد صغير في حي طرفي للسودان وأهل السودان، في ابتسامةٍ عابرة تُرمّم ما أفسدته الأيام.
لذلك، يبدو التناقض صارخًا بين مصر التي تُرى بالعين، ومصر التي تُعرض على الشاشات. الأولى دافئة، حقيقية، متسامحة على نحوٍ فطري؛ والثانية متوترة، متشنجة، تختزل الناس في أسوأ ما يمكن أن يُقال عنهم. وبينهما، يقف الإنسان حائرًا: أيّهما يصدق؟
لكن التجربة، تلك التي عشتها عامًا بعد عام، تحسم الإجابة دون ضجيج. فليس من المعقول أن تُخطئ القلوب كل هذا الوقت، وتُصيب الشاشات فجأة. وليس من العدل أن نمنح العابرين في الفضاء الرقمي سلطة تعريف شعبٍ بأكمله، بينما الواقع يعجّ بشواهد تناقضهم.
هكذا، بعد ثلاث سنوات تكتمل على مهل، لا تبدو مصر لك بلد إقامة فحسب، بل حالة إنسانية كاملة. بلدٌ قد يختلف معك في كل شيء، إلا في قدرته العجيبة على أن يجعلك تشعر أنك لست غريبًا.
وإذا كان لا بد من خلاصة، فهي أن الحقيقة لا تُكتب دائمًا على الشاشات… بل تُعاش في الطرقات.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar

زر الذهاب إلى الأعلى