تأثير إغلاق مضيق هرمز على السياسات الضريبية والمالية في الدول المستوردة والمصدرة للنفط :
تحليل اقتصادي شامل في ضوء أزمة مارس 2026

د / حسام راضي
شكّل إغلاق مضيق هرمز في الثامن والعشرين من فبراير 2026، إثر الضربات الأمريكية الإسرائيلية على المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية ضمن ما عُرف بـ”عملية الغضب الملحمي”، أشد صدمة لأسواق الطاقة العالمية منذ أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي. فقد ردت إيران فوراً بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره نحو عشرين مليون برميل يومياً من النفط الخام ومشتقاته، بالإضافة إلى ما يعادل خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم. وقد أسفر هذا الإغلاق عن تراجع حاد في المعروض النفطي العالمي بنسبة تقارب العشرين بالمائة، وهو ما يفوق بأضعاف مضاعفة حجم الصدمات النفطية السابقة كأزمة العام 1973 وحرب الخليج في العام 1990.
لم تقتصر تداعيات هذا الإغلاق على ارتفاع أسعار الطاقة فحسب، بل امتدت لتشمل السياسات المالية والضريبية للدول على نحو غير مسبوق، وإن اختلفت طبيعة هذه التأثيرات تبعاً لموقع كل دولة من الخريطة الطاقوية؛ فبينما سعت الدول المستوردة للنفط إلى تخفيف الأعباء الضريبية عن مواطنيها لمواجهة موجة الغلاء، وجدت الدول المصدرة نفسها في مأزق بالغ التعقيد إذ تراجعت إيراداتها السيادية بشكل حاد رغم ارتفاع الأسعار العالمية، وذلك لأن إغلاق المضيق حال دون تدفق صادراتها إلى الأسواق الخارجية.
انتقال الصدمة من أسواق الطاقة إلى السياسات الضريبية
لا تحدث صدمة أسعار النفط أثراً ضريبياً مباشراً وتلقائياً، بل تمر عبر قنوات انتقال متشابكة. تبدأ القناة الأولى بالعائدات المالية، حيث يتصاعد عبء فاتورة الاستيراد على الموازنة العامة للدول المستوردة، لا سيما تلك التي تقدم دعماً للوقود، بينما تشهد الدول المصدرة نظرياً توسعاً في حصيلة ضرائب الشركات النفطية والرسوم الجمركية، إلا أن إغلاق المضيق فعلياً يحول دون تصدير النفط، مما يخلق حالة شاذة تعلو فيها الأسعار العالمية دون أن تتحسن عائدات المصدرين.
أما القناة الثانية فتتمثل في الضغط التضخمي، إذ يولد ارتفاع أسعار الطاقة موجات تضخمية تمتد إلى سلاسل الغذاء والتصنيع والخدمات، مما يضع الحكومات أمام معضلة كلاسيكية؛ فرفع أسعار الفائدة للتصدي للتضخم يكبل النمو الاقتصادي، في حين أن التوسع في الإعفاءات الضريبية يوسع عجز الموازنة ويرهق المالية العامة.
وتتمثل القناة الثالثة في الخيارات المتاحة للسياسة المالية ذاتها، حيث تلجأ حكومات الدول المستوردة إلى أدوات متعددة للاستجابة، كتخفيض ضرائب القيمة المضافة على الوقود والطاقة، أو تسقيف الأسعار، أو صرف الدعم المباشر للأسر الأكثر تضرراً، أو الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية. ولكل خيار من هذه الخيارات كلفته المالية ومقايضته مع بنود الإنفاق الأخرى، مما يجعل عملية الموازنة بين حماية المستهلك واستدامة المالية العامة شديدة التعقيد.
الاستجابات الضريبية في الدول المستوردة للنفط
التجربة الأوروبية بين التخفيف والحذر
في أوروبا، كانت إسبانيا الأكثر جرأة بين الدول الأوروبية، إذ أصدرت حزمة طوارئ بقيمة خمسة مليارات يورو تضمنت خفض ضريبة القيمة المضافة على جميع أشكال الطاقة من واحد وعشرين بالمائة إلى عشرة بالمائة، شاملة وقود السيارات والكهرباء والغاز الطبيعي، مع تسقيف حد أقصى لأسعار الطاقة. وقد أسفرت هذه الإجراءات عن تراجع فواتير الكهرباء بنحو ثلاثة عشر بالمائة وانخفاض أسعار الوقود بحوالي ثلاثين سنتاً للتر، مما خفف ولو مؤقتاً من وطأة الأزمة على الأسر والشركات الإسبانية.
أما في ألمانيا، فجاءت الاستجابة أكثر تحفظاً، إذ ارتكزت على تنظيم ساعات رفع الأسعار في محطات الوقود بدلاً من تقديم دعم مباشر، وهو نهج يعكس الحرص الألماني على عدم إحداث تشوهات في إشارات الأسعار قد تثبط الاستثمارات الطاقوية طويلة الأجل. وفي إيطاليا، جرى التفكير في توجيه الإيرادات الإضافية الناتجة عن ارتفاع الأسعار – والتي تزيد حصيلة ضريبة القيمة المضافة تلقائياً – نحو تعويض المستهلكين، إلى جانب التوجه لفرض عقوبات على الشركات التي تستغل الأزمة لرفع هوامش أرباحها.
وعلى صعيد السياسة النقدية الأوروبية، وجد البنك المركزي الأوروبي نفسه مضطراً لتأجيل خفض أسعار الفائدة الذي كان مقرراً، مع توقعات بتجاوز التضخم في المملكة المتحدة خمسة بالمائة خلال العام 2026، ورفع توقعات التضخم الأوروبي مع تخفيض توقعات النمو، في ظل مخاوف متزايدة من انزلاق الاقتصاد الأوروبي نحو ركود تضخمي لو استمر الإغلاق حتى موسم إعادة ملء المخزون الصيفي.
الكارثة الآسيوية: حيث تتركز الضغوط
تتركز أشد الضغوط الضريبية في القارة الآسيوية، حيث تمر نحو أربعة وثمانين بالمائة من صادرات النفط العابرة للمضيق نحو الأسواق الآسيوية، مما يجعل هذه الدول في مقدمة المتضررين من الإغلاق. وتتباين استجاباتها تبايناً حاداً يعكس اختلاف ظروفها الاقتصادية وهياكلها الطاقوية.
تمثل اليابان الدولة الأكثر هشاشة من الناحية الهيكلية، فهي تعتمد على واردات الوقود لتأمين سبعة وثمانين بالمائة من احتياجاتها الطاقوية، وتستورد خمسة وتسعين بالمائة من وارداتها النفطية من الشرق الأوسط. وقد لجأت مصافي النفط اليابانية إلى طلب الإفراج الطارئ عن الاحتياطيات الاستراتيجية، بينما تسارعت الجهود الدبلوماسية لتأمين إمدادات بديلة من أستراليا والولايات المتحدة، رغم أن هذه الأسواق باتت بدورها تعاني من ضغوط طلب متصاعدة. ويواجه الاقتصاد الياباني خطر توسع عجز الميزان التجاري وضعف الين وتصاعد الضغوط التضخمية في آن واحد، مما قد يدفعه نحو حالة الركود التضخمي التي طالما حذر منها خبراء الاقتصاد.
أما كوريا الجنوبية، فيمر بها ثمانية وستون بالمائة من وارداتها النفطية عبر المضيق، وهي بحكم عزلة شبكتها الكهربائية عاجزة عن الاستيراد الطارئ من الشبكات المجاورة. وقد أعلن الرئيس لي جاي-مونج عن تسقيف الأسعار وبرامج تعويض للأسر الأكثر تضرراً، غير أن هذه الإجراءات تثقل كاهل الموازنة وتضغط على برامج الإنفاق الاجتماعي والتحول نحو الطاقة المتجددة التي تمثل ركيزة أساسية في أجندته الحكومية.
وتعاني الهند من صدمة مزدوجة، إذ ترتفع فيها تكاليف استيراد النفط وأسعار عقود الغاز المسال في الوقت ذاته. وقد فاقم من الأزمة أن الولايات المتحدة منحت الهند إعفاءً طارئاً لمدة ثلاثين يوماً يجيز لها شراء نفط روسي راسٍ في الموانئ، بغية تخفيف صدمة أسعار الوقود المحلية. ويهدد العجز المالي الهندي بالوصول إلى أعلى مستوياته إذا ما توسع دعم الوقود والأسمدة في آن واحد، في حين يضع التضخم المرتفع البنك المركزي الهندي في معضلة حقيقية: رفع الفائدة يقتل النمو الاقتصادي، وإبقاؤها على حالها يطلق العنان للتضخم.
وفي إندونيسيا، أعلنت الحكومة رفع دعم الوقود لامتصاص الصدمة، لكن هذا القرار رفع عجز الموازنة فوق الحد القانوني البالغ ثلاثة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يشكل تهديداً مباشراً لثقة المستثمرين ويضع البلاد على حافة أزمة مالية. أما تايلاند، وهي أكثر دول آسيا تضرراً نسبة إلى ناتجها المحلي إذ تبلغ صافي وارداتها النفطية 4.7 بالمائة من الناتج، فقد فرضت تسقيفاً مؤقتاً على أسعار الديزل في محاولة لوقف نزيف الأسعار الذي يهدد بقلب موازين الاقتصاد المحلي. وفي فيتنام، تدرس الحكومة خفضاً مؤقتاً لتعريفة الاستيراد الجمركية على الوقود، وهو إجراء يعكس إدراكها لخطورة المرحلة رغم محدودية الحيز المالي المتاح.
المفارقة الضريبية في الدول المصدرة للنفط
تخلق الأزمة مفارقة اقتصادية لافتة في دول الخليج العربي، فهي المصدر الرئيسي للنفط إلى العالم، ومع ذلك فرغم ارتفاع أسعار النفط عالمياً إلى مستويات قياسية، فإن عائداتها النفطية الفعلية تعاني انهياراً حاداً جراء تعذر التصدير عبر المضيق الذي يحتجز إنتاجها خلفه.
فقد تراجع الإنتاج المشترك للكويت والعراق والسعودية والإمارات بما لا يقل عن عشرة ملايين برميل يومياً في منتصف مارس، وهو ما يمثل خسارة فادحة للإيرادات السيادية لدول تعتمد على النفط في تمويل غالبية موازناتها العامة. وقد اضطرت قطر إلى الإعلان عن القوة القاهرة على جميع عقود تصدير الغاز المسال، وهو قرار غير مسبوق يعرضها لدعاوى تحكيم دولية ويثير تساؤلات جوهرية حول موثوقيتها كمورد استراتيجي طويل الأجل في الأسواق العالمية.
تجد السعودية والإمارات نفسيهما في وضع بالغ الحرج، إذ لا تتجاوز طاقتهما الإنتاجية البديلة عبر خطوط الأنابيب الالتفافية – خط الشرق-الغرب السعودي وخط النفط الخام لأبوظبي – مجتمعةً 2.6 مليون برميل يومياً، مقارنة بعشرين مليون برميل كانت تمر عادة عبر المضيق. وهذا يعني أن أداة “رفع الإنتاج” التقليدية التي كانت تستخدمها دول الخليج لمواجهة أزمات الطاقة قد أصبحت محدودة الأثر في ظل إغلاق المضيق.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب النفطي فحسب، بل تمتد لتشمل الأمن الغذائي لدول الخليج التي تعتمد على استيراد أكثر من ثمانين بالمائة من احتياجاتها الغذائية عبر المضيق ذاته، مما تسبب في ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسب تتراوح بين أربعين ومائة وعشرين بالمائة في المناطق الأكثر تضرراً، وهو ما يضاعف الضغوط على الموازنات الحكومية التي باتت مضطرة للتدخل لدعم أسعار الغذاء إلى جانب دعم الوقود.
في المقابل، تجني الدول المصدرة البعيدة عن المضيق ثماراً ضريبية واضحة، فقد شهدت كندا ودول غرب أفريقيا والنرويج ارتفاعاً مضاعفاً في عائدات ضرائب شركات النفط والرسوم الملكية السيادية. ويستفيد المنتجون الأمريكيون أيضاً رغم تأكيد الرئيس ترامب أن الأزمة لا تؤثر على الولايات المتحدة بالقدر ذاته، ذلك أن أسعار النفط عالمية بطبيعتها وترتفع في سائر الأسواق بصرف النظر عن مصدر الانقطاع، مما يوسع الحصيلة الضريبية الإضافية لهذه الدول.
مقايضات السياسة الضريبية وقيودها
تواجه الحكومات في الدول المستوردة جملة من المعضلات الاقتصادية المترابطة، فلا يخلو أي من خياراتها من تكاليف باهظة. فخفض الضريبة على القيمة المضافة للطاقة يقلص الإيرادات العامة ويوسع العجز، وهو تدبير انتقائي لا يضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً بالكفاءة المطلوبة. أما دعم أسعار الوقود مباشرة فهو غير مستدام على المدى البعيد، إذ يستنزف الاحتياطي المالي بسرعة في الدول متوسطة الدخل. والإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية يوفر راحة مؤقتة فحسب، إذ تكفي الاحتياطيات أسابيع إلى أشهر محدودة. ورفع أسعار الفائدة لكبح التضخم يثبط النمو الاقتصادي ويؤدي إلى تفاقم عبء الديون الحكومية، في حين أن تسقيف الأسعار يشوه إشارات السوق ويثبط الاستثمار في قطاع الطاقة. أما فرض ضريبة أرباح استثنائية على شركات الطاقة فقد يثير توتراً مع مجتمع الأعمال ويؤثر سلباً على مناخ الاستثمار في المستقبل.
تتجلى هذه المعضلات بوضوح في حالة كوريا الجنوبية وإندونيسيا، ففي كلتا الدولتين أفضت الاستجابة الطارئة إلى ضغوط على برامج الإنفاق الاجتماعي وأجندات الإصلاح الهيكلي طويلة الأجل. وتشير توقعات مؤسسات التحليل الاقتصادي إلى أن الإغلاق الكامل للمضيق يمكن أن يخفض الناتج المحلي الإجمالي الهندي بمقدار نصف نقطة مئوية مباشرة، فضلاً عن تأثيرات غير مباشرة من ارتفاع أسعار الأسمدة والغذاء التي تهدد الأمن الغذائي وتزيد من أعباء الميزانية العامة.
المآلات المحتملة وسيناريوهات التكيف
تشير نماذج بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس إلى أن استمرار الإغلاق لمدة ربع سنة سيدفع متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط نحو ثمانية وتسعين دولاراً للبرميل، مع تراجع النمو الاقتصادي العالمي بمقدار 2.9 نقطة مئوية سنوياً في الربع الثاني من العام 2026. وإذا امتد الإغلاق إلى ربعين متتاليين، فإن مستوى الناتج المحلي الإجمالي سيظل دون مستوياته السابقة حتى نهاية العام، مما يعني أن خسائر النمو قد تطول إلى ما بعد انتهاء الأزمة نفسها.
على صعيد التكيف مع الأزمة، تسارعت عدة مسارات بديلة لتعويض النقص في الإمدادات. فقد أعادت الهند توسيع الاعتماد على النفط الروسي بموجب الإعفاء الأمريكي الطارئ، فيما تسعى اليابان وكوريا الجنوبية إلى تثبيت عقود الإمداد طويلة الأجل من أستراليا والولايات المتحدة لتنويع مصادرها وتقليل اعتمادها على الخليج في المستقبل. ودبلوماسياً، أعلنت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وعدد من الدول الأوروبية استعدادها للمشاركة في جهود دولية تهدف إلى إعادة فتح المضيق وضمان سلامة الملاحة فيه. وتشير الإفادات إلى أن الصين تسعى لاستثناء سفنها من الإغلاق استناداً لعلاقاتها الاستراتيجية مع طهران، بينما تنتهج إيران سياسة انتقائية في منح تصاريح العبور، مما يخلق حالة من عدم اليقين في أسواق النفط ويجعل التخطيط طويل الأجل صعب المنال.
ختاما يكشف إغلاق مضيق هرمز عن هشاشة بنيوية عميقة في منظومة الطاقة العالمية، إذ تتحكم نقطة خنق واحدة بخمس الإمدادات النفطية العالمية دون بديل فعّال يذكر. وقد وضع هذا الإغلاق الحكومات في مختلف أنحاء العالم أمام خيارات ضريبية ومالية مؤلمة تلخص معضلة التنمية الاقتصادية في القرن الواحد والعشرين: كيف تحمي المستهلك في الأمد القصير دون أن تقوض الاستدامة المالية في الأمد البعيد؟
إن الأثر الأعمق لهذه الأزمة ليس في أرقام العجز الضريبي وحدها، بل في إعادة تشكيل تصورات صانعي القرار حول مخاطر الاعتماد على مصدر طاقة واحد وممر بحري واحد. فالدول المستوردة التي كانت تنظر إلى أمن الطاقة باعتباره قضية تقنية بحتة باتت تدرك اليوم أنه مسألة وجودية ترتبط باستقرارها المالي والاجتماعي. والدول المصدرة التي كانت تعتبر موقعها الاستراتيجي مصدر قوة أصبحت تكتشف أن هذا الموقع نفسه يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف حين تتحكم قوى خارجية في مصير ممراتها التصديرية.
ومن المرجح أن يشكل هذا الحادث نقطة تحول في السياسات الطاقوية وإدارة الاحتياطيات الاستراتيجية لعقود مقبلة، على غرار ما فعلته أزمة العام 1973 حين أعادت رسم خريطة سياسات الطاقة الغربية ودفعت نحو إنشاء الوكالة الدولية للطاقة والاحتياطيات الاستراتيجية المشتركة. فالأزمات الكبرى، مهما كانت تكلفتها باهظة، تحمل في طياتها دروساً قاسية تدفع نحو إصلاحات هيكلية طال انتظارها، وهو ما قد يكون العزاء الوحيد في خضم هذه التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المرة.



