
كتب أ – أحمد عثمان محمد المبارك
لم يكن السودان يوماً مجرد بقعة جغرافية يسكنها الناس، بل كان حالة أخلاقية فريدة، وكان قصة رقي لم تكتمل فصولها بسبب ليل طويل خيّم على البلاد في يونيو من عام 1989. إلى الشباب الذين ولدتهم الأزمات، والذين لم يعرفوا من الدولة إلا وجهاً عابساً يطالب بالجبايات، ومن المجتمع إلا صراعاً مريراً على لقمة العيش؛ عليكم أن تعلموا أن هذا القبح المحيط بكم ليس هو الأصل، بل هو العارض الذي تسبب فيه من سطوا على السلطة باسم الدين، وهو منهم براء.
هل تعلموا أن المواطن السوداني، قبل أن يحلّ عليه هؤلاء الكيزان بخرابهم، كان يسير في مناكب الأرض كأنه سفير لقارة بأكملها؛ كانت الأمانة هي العملة المتداولة، وعفة اليد هي الفخر الذي يتوارثه الأبناء عن الآباء. لم تكن الرشوة شطارة، ولا نهب المال العام تمكيناً، بل كانت الكرامة تسمو فوق كل مغنم زائل. كانت مؤسسات الدولة محراباً للانضباط، وجامعاتها منارات يقصدها القاصي والداني، حيث كان العلم يُبنى على التفكير لا على الولاء التنظيمي، وحيث كانت الخدمة المدنية مدرسة في النزاهة قبل أن تتحول إلى إقطاعيات للمحاسيب والمنتفعين.
لقد نشأتم في ظل نظام تعمد تجريف القيم، فأحلّ النفاق محل الصدق، والمحسوبية محل الكفاءة، وزرع القبلية في مجتمع كان يتنفس القومية. لقد أرادوا إقناعكم بأن هذا هو السودان، وأن الفقر والتدهور والظلم هي أقدار الله التي لا مفر منها. والحقيقة هي أنهم سرقوا منكم ذاكرة الوطن قبل أن يسرقوا مقدراته وثرواته. إن البنية التحتية المحطمة التي ترونها اليوم ليست سوى انعكاس لخراب النفوس الذي أحدثه هؤلاء، حين صار التعدي على المال العام حقاً لمن بايعهم، وصار التضييق على الشرفاء سياسة ممنهجة لإذلال الإنسان وكسر إرادته.
يا شباب السودان، إن استعادة الوطن لا تبدأ فقط بالمواكب في الشوارع، بل تبدأ برفض هذا النموذج الأخلاقي المشوه الذي حاول إخوان الشيطان فرضه عليكم. إن السودان الحقيقي هو ذلك الوطن الذي كان يسع الجميع بالمحبة، حيث كان الجار للجار، وحيث كان النفير هو دستور الناس غير المكتوب. لا تسمحوا لسنوات التيه أن تقنعكم بأنكم أقل شأناً من شعوب الأرض، فأنتم أحفاد جيل بنى دولاً من حوله بعرقه وصدقه، وأنتم القادرون على كنس غبار هذا العهد المظلم لتعيدوا رسم وجه السودان الجميل، ذلك الوجه الذي شوهته سنوات الغدر والفساد والاضطهاد.



