
عبد الكريم البليخ
ليست الحياة في الولايات المتحدة كما تُصوَّر في مخيّلة الكثيرين، حيث تتوهّج الأحلام في صورٍ لامعة، ولا كما تُعرض في شاشاتٍ تُحسن انتقاء الزوايا وتغضّ الطرف عن ظلالها الثقيلة. هناك، حيث تمتد الأرض بلا نهاية تقريباً، ويُخيّل للإنسان أن الاتساع الجغرافي مرآةٌ لاتساع الفرص، تضيق الحياة في تفاصيلها الدقيقة، حتى لتغدو المسافات الرحبة عبئاً خفياً، لا يخفف وطأته اتساع الطرق ولا ارتفاع البنايات. في العمق، ليست المشكلة في المكان، بل في الإيقاع الذي يُفرض على ساكنيه، إيقاعٌ سريع، صارم، لا يترك فسحةً كافية لالتقاط الأنفاس أو التأمل في المعنى.
يأتي كثيرون إلى هذه البلاد محمّلين بصورةٍ مسبقة عن الخلاص: أن الجهد سيكافأ، وأن الزمن سيتحوّل إلى حليفٍ كريم، وأن الغربة، مهما طالت، ستثمر طمأنينةً ما. غير أن التجربة اليومية تعيد تشكيل هذه التصورات ببطء قاسٍ. فالعامل البسيط، الذي غادر أهله مثقلاً بحلم تحسين المصير، لا يجد نفسه في فضاءٍ للاسترخاء أو إعادة اكتشاف الذات، بل في معركةٍ صامتة مع الزمن والحاجة. هو لا يعيش الحياة بقدر ما يلاحقها، ولا يتأملها بقدر ما يحاول الإمساك بما يتساقط منها بين يديه.
في هذا السياق، تأخذ الغربة شكلاً أكثر تعقيداً من مجرد ابتعادٍ جغرافي. إنها غربة داخلية، تتسلل إلى اللغة، إلى العادات، إلى تفاصيل التواصل الإنساني. فبينما تفتح البلاد أبوابها القانونية والمعيشية، يبقى الشعور بالانتماء معلقاً في منطقةٍ رمادية، لا هو متحققٌ بالكامل، ولا هو غائبٌ تماماً. يتعلم الإنسان أن يتكيّف، أن يُجيد الأداء، أن يندمج ظاهرياً، لكنه في أعماقه يظل في حالة ترجمةٍ دائمة، يفسّر نفسه للآخرين، ويعيد تفسير العالم لنفسه.
تتجلى المفارقات الاجتماعية هنا بوضوح لافت؛ إذ تتوزع فرص الأمان والدعم بشكلٍ غير متكافئ، فتبدو الحياة وكأنها شبكةٌ من المسارات المتوازية، لا تلتقي إلا نادراً. بعضهم يجد موطئ قدمٍ أكثر ثباتاً، تحوطه أنظمة الحماية والدعم، فيما يقف آخرون على حافة التوازن، يواجهون وحدهم قلق الاستمرار وثقل الالتزامات. والمهاجر العربي، في كثير من الأحيان، يعيش بين مستويين من التوتر: واجب الإعالة من جهة، وحاجة البقاء من جهة أخرى. هو معلق بين مكانين، لا يستطيع التخلي عن أحدهما، ولا يملك القدرة على الانتماء الكامل لأيٍّ منهما.
أما العمل، فهو القلب النابض لهذه التجربة، لكنه أيضاً مصدر استنزافها الأكبر. ليس الوصول إليه يسيراً دائماً، وإن تحقق، فإنه يأتي مشروطاً بإيقاعٍ لا يرحم. ساعاتٌ طويلة، تمتد حتى تتآكل حدود اليوم، وأيامٌ تتكرر حتى تفقد تمايزها، فيغدو الزمن كتلةً متجانسة من الجهد المتواصل. هنا، لا يعود الوقت ملكاً لصاحبه، بل يصبح جزءاً من منظومةٍ أكبر، يُستثمر ويُستنزف وفق منطق الإنتاج لا وفق حاجات الروح. حتى لحظات الراحة تبدو مؤقتة، كأنها استراحة محاربٍ يدرك أن المعركة لم تنتهِ بعد.
يضاف إلى ذلك عبء التفاصيل الصغيرة التي تتراكم بصمت: التنقل الطويل، الانتظار، القلق من فقدان الفرصة، الخوف من الانزلاق خارج إيقاع لا يسمح بالخطأ. هذه التفاصيل، وإن بدت هامشية، تشكّل في مجموعها ثِقلاً نفسياً عميقاً، يُعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. فيغدو أكثر حذراً، أقل ميلاً للمجازفة، وأكثر التصاقاً بفكرة البقاء على حساب فكرة العيش.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه الحياة في صورةٍ قاتمة بالكامل. فهي ليست شقاءً خالصاً، كما أنها ليست فردوساً أرضياً. إنها تجربة مركبة، تتداخل فيها مشاعر الأمل والتعب، الطموح والاغتراب، الإنجاز والفراغ. يتعلم الإنسان فيها أن يعيد تعريف النجاح، لا بوصفه بلوغ قمةٍ بعيدة، بل كقدرةٍ على الاستمرار دون أن يفقد ذاته بالكامل. ويتعلم أيضاً أن الكرامة ليست معطى جاهزاً، بل معادلة دقيقة، تتطلب توازناً مستمراً بين ما يقدمه للعالم وما يحتفظ به لنفسه.
في النهاية، تكشف الحياة هناك عن سؤالٍ أعمق من مجرد تحسين الظروف: ما الذي يستحق أن نُضحّي من أجله؟ وأيُّ ثمنٍ يمكن احتماله دون أن يتحول الإنسان إلى مجرد أداةٍ في آلةٍ لا تتوقف؟ بين هذين السؤالين، تتشكل التجربة الإنسانية في أكثر صورها صدقاً، حيث لا يكون النجاح مجرد وصول، بل قدرة على البقاء واقفاً، رغم كل ما يدعو إلى الانكسار.



