كان العالم يوماً يقف على كفّتي ميزانٍ تضبطه الحرب الباردة، حيث انقسمت المصالح بين قطبين في توازنٍ ظاهري يخفي صراعاً عميقاً. لكن ذلك الميزان تحطّم، ومع سقوطه انهارت قواعد اللعبة القديمة، لتنهض قوى كانت على الهامش وتفرض نفسها في قلب المشهد.
في المقابل، لم يخرج شرقنا الأوسط من تعثّره، بل انتقل إلى فوضى أكثر تعقيداً؛ حيث لم يعد الصراع فكرياً أو عقائدياً، بل أصبح شدّاً مكشوفاً على حبال المصالح، تديره قوى كبرى ببرودٍ وإتقان.
روسيا تحاول استعادة ظلّها القيصري بثوبٍ حديث، وأمريكا تتخبّط في فائض قوتها، فيما تتحرك قوى إقليمية بأحلامٍ تاريخية، تبحث عن أمجادٍ غابرة في واقعٍ لا يعترف إلا بلغة النفوذ.
وسط هذا المشهد، تتأرجح منطقتنا على حبالٍ مشدودة من كل اتجاه، بينما يتشبث بها صغار اللاعبِين، لا لينجوا، بل ليسقطوا تباعاً. يستأسدون على شعوبهم، ويتضاءلون أمام الكبار، فيتحولون إلى أدواتٍ طيّعة في لعبة لا يملكون قرارها.
لم تعد الفوضى استثناءً… بل أصبحت نظاماً قائماً،
ولم يعد السقوط حادثاً… بل صار وظيفةً في هذه اللعبة.



