الفاتح محمد حجر
في خضم الحملة المستمرة على الحزب الشيوعي السوداني، وبعد أن تهاوت كثير من الاتهامات التي ثبت أنها قائمة على وقائع مجتزأة أو غير صحيحة، برزت محاولة جديدة لإعادة صياغة الهجوم عبر الادعاء بأن مجرد مشاركة الحزب في وضع قانون لجنة إزالة التمكين في نوفمبر 2019 تمثل إدانة سياسية له، مع العلم بأن الحزب الشيوعي خرج من قوى الحرية والتغيير في نوفمبر 2020 اي بعد سنة.
إن هذه الحجة، في ظاهرها تبدو “واقعية”، لكنها في جوهرها تقوم على خلط متعمد بين مرحلتين مختلفتين: مرحلة التأسيس الثوري ومرحلة الممارسة والانحراف عن أهداف وشعارات ثورة ديسمبر .
وحتى عندما شارك الحزب الشيوعي ضمن قوى إعلان الحرية والتغيير في إقرار قانون لجنة إزالة التمكين، كان ذلك في سياق أعقب مباشرة سقوط نظام استبدادي امتد لثلاثة عقود. لم تكن الدولة حينها دولة طبيعية بمؤسسات مستقلة، بل كانت جهازًا مخترقًا بالكامل من بقايا النظام السابق.
في مثل هذا السياق، لا تكون القوانين مجرد أدوات إدارية، بل أدوات تفكيك لبنية سلطوية قائمة. وبالتالي، فإن المشاركة في صياغة قانون إزالة التمكين لم تكن خيارًا “سياسيًا تكتيكيًا” فحسب، بل كانت استجابة لضرورة موضوعية: تفكيك دولة الحزب الواحد لصالح دولة الحرية والسلام والعدالة.
ومن المهم التذكير أن الحزب الشيوعي لم يمنح اللجنة شيكًا على بياض. منذ البداية، طرح جملة من الملاحظات الجوهرية، أبرزها: ضرورة ربط عمل اللجنة بالمؤسسات العدلية، وعلى رأسها النيابة العامة، والحذر من تحول اللجنة إلى أداة سياسية انتقائية، التأكيد على أن العدالة لا تتحقق بقرارات إدارية بل بإجراءات قانونية راسخة، بمعنى آخر، كان موقف الحزب تأييدًا نقديًا، وليس اصطفافًا أعمى، لذا عندما انحرف المسار مع تطور الأحداث، وبدأت ملامح الخلل تظهر في بنية السلطة الانتقالية نفسها، خاصة مع تعمق الشراكة مع المكون العسكري، هنا، لم يعد الخلل في “أداة” إزالة التمكين فقط، بل في الإطار السياسي الذي يحكمها.
وانسحاب الحزب الشيوعي من قوى الحرية والتغيير في 2020 لم يكن حدثًا معزولًا، بل كان تعبيرًا عن تقييم شامل لمسار الثورة، بما في ذلك: رفض الشراكة مع العسكر، ورفض توظيف أدوات الثورة داخل تسوية سياسية هشة.
إن التحذير من إعادة إنتاج النظام القديم بواجهات الخلط الذي يروج له البعض يقوم على تجاهل حقيقة أساسية في العمل السياسي وهي أن المواقف تُقاس في سياقها الزمني، وتُراجع بناءً على نتائجها.
فالمشاركة في لحظة ثورية لتفكيك نظام قديم لا تعني القبول بكل ما ينتج لاحقًا عن تلك الأداة. بل على العكس، “القدرة على مراجعة الموقف، والانسحاب عند انحراف المسار، هي في حد ذاتها موقف سياسي وأخلاقي”.
إذا كان هناك ما يُحسب للحزب الشيوعي، فهو أنه: شارك في لحظة الضرورة، وانتقد في لحظة الخلل،
وانسحب في لحظة الانحراف.
إن تحويل المشاركة في وضع قانون إلى “إدانة” دائمة، هو منطق أقرب إلى تصفية الحسابات منه إلى التحليل السياسي. لأنه يفترض ثبات المواقف في واقع متغير، ويتجاهل أن السياسة، خاصة في سياقات انتقالية، هي عملية صراع مستمر بين ما هو ممكن وما هو مطلوب.
إن النظر إلى هذه المسألة بموضوعية يقتضي التمييز بين: من شارك لتفكيك نظام قديم، ومن استخدم الأدوات نفسها لإعادة إنتاجه.
إن طرح “الشرعية الثورية” في معركة تفكيك التمكين صحيح من حيث المبدأ، خاصة إذا نظرنا إلى طبيعة الصراع بوصفه صراعًا سياسيًا مع بنية دولة تم اختطافها بالكامل لصالح فئة بعينها. لكن هذا الطرح، في صيغته النظرية، يصطدم مباشرة بواقع معقد فرضته معادلات الشراكة مع المكون العسكري، وهي في تقديري العلة الجوهرية التي قيدت مسار الثورة وأعاقت تحقيق أهدافها، وعلى رأسها تفكيك نظام التمكين.
لقد أشار الحزب مرارًا إلى أن هذه الشراكة لم تكن مجرد تكتيك مرحلي، بل تحولت إلى قيد عطّل أدوات التغيير نفسها. وبمجرد القبول بها، تراجعت فعليًا مساحة “الشرعية الثورية” بوصفها أداة حاسمة، وأصبح العمل الثوري محكومًا بسقف الوثيقة الدستورية وتوازنات القوى داخل السلطة الانتقالية. ومن هنا يمكن فهم أن لجنة إزالة التمكين لم تكن تعمل في فراغ ثوري مفتوح، بل داخل بيئة سياسية وقانونية مقيدة، جعلت قدرتها على الحسم محدودة.
في هذا السياق، لم يكن أمام القوى الداعمة للتفكيك سوى مسارين:
إما الاستمرار في التصعيد الثوري خارج مؤسسات الشراكة، وهو مسار تم إغلاقه عمليًا بقبول التسوية،
أو العمل من داخل الإطار القائم لاستكمال استحقاقات الانتقال، وعلى رأسها بناء مؤسسات تشريعية وعدلية جديدة قادرة على تفكيك بنية النظام القديم بصورة مستدامة.
ومن هنا جاء طرح الحزب بضرورة “تحصين” عمل لجنة إزالة التمكين، ليس عبر الاكتفاء بالإجراءات الإدارية، بل من خلال تأسيس سند قانوني صلب لها. فالمشكلة لم تكن فقط في وجود عناصر النظام السابق داخل الأجهزة العدلية، بل أيضًا في استمرار القوانين التي صاغها ذلك النظام، والتي وفرت لاحقًا الغطاء القانوني لإجهاض قرارات اللجنة. لذلك ظل الحزب يطالب بإزالة التمكين داخل المؤسسات العدلية نفسها، ولكن عبر أدوات تشريعية واضحة، تضمن عدم نقض القرارات لاحقًا.
كما أن غياب المجلس التشريعي الانتقالي مثّل ثغرة حاسمة، إذ كان من المفترض أن يكون هو الجهة المخولة بإصدار القوانين اللازمة لتفكيك بنية النظام القديم، وإعادة بناء الأجهزة العدلية على أسس جديدة. غير أن تأخر تكوينه، ضمن اختلالات المرحلة الانتقالية، ترك لجنة إزالة التمكين تعمل في وضع هش، مكشوف سياسيًا وقانونيًا.
بالتالي، فإن التناقض الظاهري بين “الشرعية الثورية” و”الإطار القانوني” ليس تناقضًا نظريًا بقدر ما هو انعكاس لأزمة سياسية أعمق، هي أزمة الشراكة نفسها. فهذه الشراكة أغلقت أفق الحسم الثوري، دون أن توفر في المقابل أدوات قانونية مكتملة، ما وضع عملية التفكيك في منطقة وسطى غير مستقرة.
وعليه، يمكن القول إن موقف الحزب لم يكن انحيازًا لتغليب القانون على السياسة، بل محاولة للتعامل مع واقع مختل، عبر السعي لتقوية أدوات التفكيك ضمن الممكن، مع الاستمرار في الضغط لاستكمال مهام الثورة، وعلى رأسها إعادة بناء مؤسسات الدولة، بما فيها الأجهزة العدلية، على أسس جديدة تضمن عدم إعادة إنتاج التمكين.
(لابد من التغيير الجذري وإن طال السفر).



