الأعمدة

ما حك جلدك مثل ظفرك .

قديماً قيل: من الحكمة ألا نَدَعَ الرجال يهرمون في مواقعهم. وواقع الحال يغني عن السؤال: فالدول التي تفرض حضورها في الساحة الدولية أو في محيطها الإقليمي لا تفعل ذلك بضجيج الشعارات واستعراض العضلات فحسب، بل بقدرةٍ على إدارة قوتها، وتكييف مواقفها وفق رياح الأحداث، واتخاذ القرار انطلاقاً من إرادةٍ حقيقيةٍ تُكسبها وزن المنازلة وتفرض على الآخرين حسابها.
إنها، في جوهرها، سياسةُ إثباتِ وجودٍ لا تستعير قوّتها من أحد، ولا تستند إلى عكاز الغير. وهي سياسة لا تُنال مجاناً في زمنٍ لم تعد فيه مثالية المبادئ وحدها حاكمةً للعلاقات، بل غلبت عليه صراعات المصالح التي لا تُقضى بابتسامات الترجي ولا بكثرة التودد والتنقل بين المحاور، طلباً لرضا هذا أو استرضاءً لذاك.
وإقحام الذات في محاور بعيدة المدى يقتضي وزناً حقيقياً داخلها؛ أما التقلب المرحلي بين التكتلات التي تنشأ لظروف عابرة وتزول بزوالها، فليس إلا خفةً تجعل صاحبها بالوناً تحركه الرياح، لا فاعلاً يؤثر في اتجاهها. وهنا مكمن العلّة: عللٌ داخلية، لا تُشفى بتبديل المواقع، بل بتشخيص أسبابها والاعتراف بها ومعالجتها من جذورها.
وحين نقول إن المؤمن طبيب نفسه، فليس المقصود أن يتصدى كلٌّ لعلله بغير علم، وإنما أن يلتزم مبدأ الوقاية، فيتجنب أسباب السقم قبل وقوعه. فالصحة لا تُصان بكثرة الأدوية، بل بحسن الاحتراز. وكذلك الدول: لا تُبنى قوتها بطلب النجدة عند الأزمات، بل بإعدادٍ سابقٍ يحصّنها من الحاجة إلى غيرها.
إن إدارة الدولة الرشيدة تبدأ بالتروي في رسم السياسات، وبالعمل بروح الجماعة لا بمنطق الفرد، وبالاستناد إلى الخبرة والتخصص لا إلى الأهواء. وهي، قبل ذلك وبعده، مشروعُ بناءٍ للاعتماد على النفس، وتسخيرٍ للموارد في خدمة الصالح العام، بما يحفظ الكرامة ويمنح المجتمع مناعة الساعد وصلابة الموقف..
فالدولة التي لا تقوى على الوقوف بذاتها، ستظل تبحث عمّن يسندها، ويقود خطاها، ويحميها من السقوط. غير أن الاتكاء على الغير لا يبني عافية، ولا يصنع سيادة.
ومن لا يحكّ جلده بظفره، فإما مشلولُ الإرادة، أو كسولُ السعي. وفي الحالتين، لن يغنيه حكُّ الآخرين، بل قد يزيده نزفاً على نزفه، حتى يفقد الإحساس بما ينخر جسده، ويعجز عن الدفاع عن كيانه.
وهنا، لا يكون الألمُ هو الخطر… بل الاعتياد عليه.
والله من وراء القصد .

زر الذهاب إلى الأعلى