الأعمدة

للسلام أنبياء… وللبناء سواعد

بناء الحياة الكريمة للإنسان لم يكن يومًا وليد الخطب الحماسية فوق منصات المحافل، حيث تجتمع الجموع على مقاعد الأمنيات ثم تنفضّ مع انتهاء المراسم. فالأوطان لا تُبنى إلا حين تتجه الإرادات نحو التوافق، وتتحول الآمال إلى سواعد تعمل.
ولم تنتشر الأديان بالقوة وحدها، بل حين تحولت مبادئها إلى نسيج اجتماعي وقيمٍ راسخة، جعلت من الإنسان مؤمنًا في قناعته، ورسولًا في سلوكه، وقدوةً في فعله.
كما لم تُقم الأوطان على صخب المليشيات، ولا على النعرات، ولا على اجترار أمجاد الماضي، بل على وعي الحاضر، واستشراف المستقبل، والعمل المشترك.
حين يشعر كل إنسان أنه شريك حقيقي في وطنه، لا مالكًا متفردًا به، يصبح أكثر حرصًا على بنائه، وأكثر انفتاحًا على الآخرين، لا إقصاءً لهم.
فالغرس لا ينمو بدموع الفواجع، بل بعرق السعي، ولا يثمر بدماء الانتقام، بل بعطاء الأقوياء للضعفاء.
وبعد جولاتٍ طويلة من الاقتتال، أشبه ما تكون بصراع الأصلعين على مشطٍ مكسور، بدأت شعارات الحرب تتلاشى، وانكشفت الحقيقة:
أن السلاح بلا عقل لا يصنع كرامة، وأن الحرب وحدها لا تُنقذ وطنًا.
فالسلام مطلوب حتى بين فردين، إذا تجاوز خلافهما ثلاثة أيام؛ فخيرهما من يبدأ بالسلام. فكيف بوطنٍ أنهكته المعارك لسنوات؟
إن السلام ليس ضعفًا، بل طوق نجاة، قد يتطلب بعض التنازل، لكنه ينقذ ما تبقى، ويفتح بابًا للحياة من جديد.
والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى