الأعمدة

الكاف يُعيِّن حُكّاماً لنصف النهائي وشكوى المنشطات معلّقة: أيّهما يسبق الآخر، العدالة أم الصافرة؟”

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
” ثلاثة تواريخ تختصر قضية”
لا تحتاج بعض القضايا إلى كثير من التعليق، فالوقائع وحدها كفيلة بإثارة الأسئلة الأصعب. في الرابع والعشرين من يناير 2026 ثبت تعاطي لاعب نهضة بركان المغربي حمزة الموساوي عقاراً محظوراً. وفي الحادي عشر من مارس أصدرت لجنة الانضباط بالاتحاد الأفريقي لكرة القدم قراراً رسمياً بإيقافه شهراً كاملاً. وفي الثالث عشر منه – أي بعد يومين فحسب – رفعت ذات اللجنة ذلك الإيقاف بلا تفسير معلن، فشارك اللاعب في مباراتي دور الثمانية أمام الهلال السوداني، وتأهل فريقه على حسابه إلى الدور نصف النهائي. وحين قدّم الهلال شكواه الرسمية طعناً في شرعية ذلك التأهل، لم تبتَّ فيها لجنة الانضباط، بل عيَّن الكاف في الوقت ذاته طاقمَ التحكيم لمباراتَي الذهاب والإياب في نصف النهائي بين الجيش الملكي ونهضة بركان. بين هذه التواريخ تكمن قضية تتجاوز حدود الملاعب لتطرح سؤالاً جوهرياً: هل لا تزال منظومة العدالة الرياضية الأفريقية تعمل وفق قواعد متساوية للجميع؟
أولاً: المخالفة – ما الذي جرى في دور المجموعات؟
في إطار فحوصات مكافحة المنشطات المعتادة خلال مباراة نهضة بركان أمام نادي بيراميدز المصري في دور المجموعات، أُخذت عينة من اللاعب حمزة الموساوي. وفي الرابع والعشرين من يناير 2026 صدرت نتيجة الفحص كاشفةً عن وجود عقار محظور في جسمه، وهو ما يُشكّل وفق المادة 2.1 من مدونة الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (وادا) مخالفةً موثقة لا تقبل الجدل.
بيد أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، إذ رفض اللاعب الخضوع لأخذ العينة الثانية التي تُتيح تأكيد النتيجة أو نفيها. وهذا الرفض وحده يُشكّل بموجب المادة 2.3 من المدونة ذاتها مخالفةً مستقلة تُعامَل قانوناً معاملة النتيجة الإيجابية تماماً، مما يعني أن الموساوي يواجه في حقيقة الأمر مخالفتين لا مخالفة واحدة.
ثانياً: الفراغ الأخطر – سبعة وأربعون يوماً بلا إيقاف
بين الرابع والعشرين من يناير يوم ثبوت المخالفة، والحادي عشر من مارس يوم صدور قرار الإيقاف الرسمي، مضت نحو سبعة وأربعين يوماً لم يخضع خلالها اللاعب لأي إيقاف مؤقت (Provisional Suspension)، فواصل مشاركاته مع فريقه بحرية تامة وكأن شيئاً لم يكن.
ولهذه النقطة ثقلٌ قانوني بالغ يتجلى في أمرين جوهريين:
الأول – متى يسري الإيقاف؟ وفق مدونة وادا والمبادئ الراسخة في القانون الرياضي الدولي، تسري عقوبة الإيقاف من تاريخ صدور القرار الرسمي، ما لم يكن اللاعب قد خضع لإيقاف مؤقت مُعلَن مسبقاً، ففي هذه الحالة وحدها يحق احتساب تلك الفترة ضمن مدة العقوبة. وبما أن الموساوي لم يوقف مؤقتاً قط طوال تلك الفترة، فإن شهر الإيقاف كان يجب أن يسري كاملاً من الحادي عشر من مارس حتى الحادي عشر من أبريل 2026، أي أن اللاعب كان يجب أن يكون موقوفاً حين أُقيمت مباراتا دور الثمانية أمام الهلال السوداني.
الثاني – مصير النتائج السابقة. تنص المادة 10.10 من مدونة وادا صراحةً على أن جميع النتائج التي حققها اللاعب منذ تاريخ وقوع المخالفة وحتى بدء الإيقاف الرسمي أو المؤقت تستوجب الإلغاء والشطب، ما لم تقتضِ اعتبارات العدالة خلاف ذلك. ومؤدى ذلك قانونياً أن كل مباراة شارك فيها الموساوي بعد الرابع والعشرين من يناير مطعونٌ في شرعيتها، بما فيها مباراتا الهلال السوداني ونهضة بركان في دور الثمانية.
ثالثاً: شهر إيقاف يتبخر في يومين
في الحادي عشر من مارس صدر قرار الإيقاف الرسمي. وفي الثالث عشر منه، قبل ثلاثة أيام من انطلاق مباراة الذهاب في دور الثمانية بين الهلال ونهضة بركان، رفعت ذات لجنة الانضباط الحظرَ عن اللاعب نفسه دون أن تُعلن أي مسوّغ قانوني. فأيّ الحالات التي تُجيز لوائح الكاف رفع الإيقاف انطبقت هنا؟
حدّدت لوائح الكاف ومدونة وادا حالاتٍ بعينها تُجيز رفع الإيقاف أو تعليقه:
الحالة الأولى: إذا جاءت نتيجة العينة الثانية غير مؤكِّدة للأولى – وهو ما لا ينطبق هنا بتاتاً، لأن اللاعب رفض أخذ العينة الثانية أصلاً، والرفض في حد ذاته مخالفة مستقلة.
الحالة الثانية: إذا قدّم اللاعب دليلاً طبياً دامغاً على أن المخالفة نجمت عن منتج ملوّث أو إعفاء علاجي مرخَّص – وهو استثناء بالغ الضيق يستلزم تحقيقاً طبياً مُعمَّقاً يستغرق أسابيع، لا يومين.
الحالة الثالثة: إذا تبيّن أن ظروفاً استثنائية بالغة تجعل استمرار الإيقاف ظلماً صريحاً لا يُحتمل – وهي حالة تُفسَّر في الأعراف القانونية الرياضية الدولية بقدر من الضيق والحذر الشديدين.
فأيّ هذه الحالات الثلاث استوفاها الموساوي خلال يومين اثنين؟ هذا هو السؤال الذي لم يُجب عنه الكاف حتى اليوم.
رابعاً: شكوى الهلال السوداني – طعن في أساس التأهل
بعد أن تأهلت نهضة بركان على حساب الهلال السوداني في دور الثمانية بمشاركة الموساوي في كلتا المباراتين، تقدّم النادي السوداني بشكوى رسمية إلى لجنة الانضباط بالكاف. وجوهر هذه الشكوى ليس مجرد اعتراض على إجراء إداري، بل هو طعن في شرعية مشاركة اللاعب في المباراتين اللتين أفضتا إلى تأهل بركان أصلاً، مما يجعلها، إن ثبتت، قادرةً على إعادة رسم مشهد المسابقة برمته.
كان مقرراً عقد جلسة الاستماع في الحادي والثلاثين من مارس 2026، غير أن محامي نهضة بركان طلب التأجيل فاستجابت له لجنة الانضباط دون تحديد موعد بديل ملزم وقريب.
خامساً: المفارقة الصارخة – تعيين الحكام قبل العدالة
شكوى الهلال السوداني لا تزال معلّقة دون بتّ، ومؤخرا أعلن الكاف عن تعيين طاقم التحكيم لمباراتَي الذهاب والإياب في الدور نصف النهائي بين الجيش الملكي ونهضة بركان، المقررتين في الحادي عشر والثامن عشر من أبريل 2026. وهذا التعيين ليس إجراءً تقنياً بحتاً، بل هو رسالة واضحة المعنى مفادها أن المباراتين ستُقامان في موعدهما بصرف النظر عن مآل الشكوى التي تطعن في شرعية وصول أحد الفريقين إلى هذا الدور أصلاً.
وهنا تتجلى المفارقة في أشد صورها: الكاف يُسرع في تعيين الحكام ويُحكم ترتيبات نصف النهائي، بينما لجنة انضباطه تقبل التأجيل وتُبقي الشكوى معلّقة. هذا التناقض بين سرعة الإجراء الإداري وبطء الإجراء القضائي يُقوّض منطق العدالة الرياضية من أساسه، لأن البتّ في الشكوى بعد انتهاء المباريات يُفقد أي قرار لصالح الهلال كل جدواه العملية، ويحوّل العدالة الرياضية إلى طقس شكلي لا أثر له على أرض الواقع.
سادساً: استنتاجات لا يمكن تجاهلها
تكشف هذه القضية في مجملها عن ثلاثة استنتاجات جوهرية:
الأول – خلل منهجي في تطبيق لوائح مكافحة المنشطات. إن عدم إيقاف اللاعب مؤقتاً طوال سبعة وأربعين يوماً بعد ثبوت المخالفة ليس إغفالاً إجرائياً عارضاً، بل هو تقاعس صريح عن تطبيق ما تُلزم به مدونة وادا. وهذا التقاعس تحديداً هو الذي فتح الباب أمام كل ما تلا ذلك من إشكاليات، إذ لو أُوقف اللاعب في موعده لسقطت هذه القضية جميعها من أساسها.
الثاني – قرار رفع الإيقاف في يومين يكشف عن أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن ثمة مسوّغاً قانونياً حقيقياً لم يُعلَن عنه، وفي هذه الحالة كان الكاف مُلزَماً بالشفافية الكاملة حمايةً لمصداقيته، وإما أن القرار صدر خارج نطاق الحالات التي تُجيزها اللوائح، وهو ما يمثّل خطورة بالغة على نزاهة المؤسسة برمتها.
الثالث – تعيين الحكام قبل البتّ في الشكوى يُرسّخ الأمر الواقع. فحين يُعيَّن طاقم التحكيم لمباراة مستقبلية في حين شكوى ماضية لم يُبَتَّ فيها، يصبح القضاء الرياضي لاحقاً للوقائع لا سابقاً لها، وتُصبح الشكوى مجرد إجراء شكلي لا وزن عملي له. وهذا بدقة ما يجري اليوم.
سابعاً: ما الذي كان ينبغي أن يحدث؟
كانت الحوكمة الرياضية السليمة تقتضي ثلاثة إجراءات متسلسلة لا تقبل التهاون:
أولها إيقاف اللاعب مؤقتاً فور صدور نتيجة العينة الأولى في الرابع والعشرين من يناير، وهو ما يُلزم به القانون الدولي لمكافحة المنشطات صراحةً وبلا استثناء.
وثانيها تعليق أي ترتيبات إدارية تمس الفريق المطعون في أهلية لاعبه ريثما تُصدر لجنة الانضباط قرارها في الشكوى، لا أن يتقدم تعيين الحكام على القرار.
وثالثها إلزام لجنة الانضباط بموعد للبتّ في الشكوى لا يتجاوز أياماً معدودة، لا أن يُقبل التأجيل مفتوحاً في حين تمضي المسابقة في مسارها دون توقف.
ما تكشفه هذه القضية يتجاوز شخص لاعب أو مصلحة ناد بعينه ،إنه اختبار حقيقي لمدى جدية الالتزام بمبادئ النزاهة في المنظومة الكروية الأفريقية. فالعدالة الرياضية لا تعني فقط إصدار القرار الصحيح في نهاية المطاف، بل تعني قبل ذلك احترام التسلسل الإجرائي الذي يضمن أن يأتي هذا القرار في وقته المفيد، لا بعد فوات الأوان حين لا يُجدي نفعاً.
على الكاف اليوم الإجابة الشفافة والمفصّلة عن سؤال واحد لا يحتمل التهرب: ما الأساس القانوني الدقيق الذي استندت إليه لجنة الانضباط لرفع إيقاف ثابت الأسباب وموثق النتائج، في يومين اثنين، دون إيقاف مؤقت سابق، ودون نتيجة للعينة الثانية تُسوّغ ذلك؟
فإن أجاب كان ذلك دليلاً على مؤسسة تحترم نفسها وتحترم من يأتمنها على شرف المنافسة. وإن صمت، فالصمت المؤسسي في مثل هذه المواقف ليس حيادية – بل هو بحد ذاته موقف.

زر الذهاب إلى الأعلى