لابد من الاعتراف الصريح بدءا بنجاح تحشيد المشاعر الشعبية العامة عبر مختلف الوسائل والأدوات والاقلام من طرف كل الجهات التي نادت وكسبت الرهان طيلة الثلاث سنوات التي تكاد تنصرم من عمر الحرب وحثهم بضرورة أن يذهب الجيش و مشاركوه في حمل السلاح الى اخر مراحل القضاء على جحافل المليشيا التي خرجت سفاحا من رحمه المتغذي من دم المال العام عبر الحبل السري الذي يربط بينه كمؤسسةقومية عامة وبين مصادر ذلك المال على قلته وضيق ذات يد البلاد المنهكة بتتابع الحروب منذ فجر الاستقلال وزادت عليها حقبة الإنقاذ كيل قوافل وما تلاها من انتكاسة مسيرة الحكم المدني بانقلاب ذات الجيش على قوى الثورة وبمعيته ابنه الذي رفع عليه لاحقا سيف العقوق و غرسه في خاصرة البلاد كلها .
غير أن ذلك الاعتراف النبيل بعفة إعطاء كل ذي حق نصيبه من الإنصاف ..لم يكن حكما مطلقا في كلياته قياسا إلى أن ذلك النفخ في بالون الشعور الشعبي الذي رفع شعار شعب واحد جيش واحد لن يسلم من فرضية التوقع ..بان ينثقب ذلك البالون المنفوخ بانفاس الحماس الآني ليتضاءل بشكة دبوس الملل من تداعيات تطاول أمد الحرب على المواطن المقيم والنازح واللاجي على حد سواء وهي الاستطالة التي لم يحقق فيها الجيش انتصارا حاسما ولم تحيق بالمليشيا بالتالي هزيمة نكرا تخرجه من المشهد إلى الابد .
فالشاهد الان أن الكثير من تلك الأقلام وقد دلقت بحورا من المداد ومعها ضجة الأصوات التي بحت حناجر اهلها عبر تقريظ انتصارات الجيش الواصحة في بادئ الأمر .
هاهي تصبح الان في مقدمة من يولولون رجفة من تراجع ذات الجيش الذي رفعوا درجة بذله الخارق كما وصفوه إلى مقام الذي يدرس في اكاديميات العلوم العسكرية في كل دول العالم .
ولعل توالي الانسحابات من المواقع والحاميات بمختلف الذرائع والتبريرات و تكرار الكر والفر من المدن و المناطق تباعا.
و الاتفاقات المبرمة غير المكشوفة التفاصيل مع المليشيا وحكومة دولة جنوب السودان فيما يتصل بتقاسم ريع مناطق انتاج النفط ولاحقا التوافق على حماية المطارات من الاستهداف المتبادل و السماح للمنظمات الدولية عبر فتح الطرق لتوصيل المساعدات الإنسانية فيما يشبه الهدنة غير المعلنة التي ظل فريق الجيش يمانع في مجرد طرحها للمناقشة .
إضافة إلى ارتخاء قبضة الجيش نفسه عن الضغط على الزناد وهو ما مكن المليشيا وحلفائها من اختراق خاصرة البلاد الجنوبية وتحديدا في اقليم النيل الازرق ..
فقد شكل ذلك كله اندياح التحول المزري والواضح في المشهد العام واطلق موجة من الاحباط في نفوس الداعمين لاستمرار الحرب علاوة على انشغال قادة الجيش لاسيما من الدستوريين وقيادات المشتركة بعيدا عن مناطق المعارك ..وما صاحب ذلك من تفشي ظاهرة الفساد التي فاحت روائحه النتنة من كل أبواب ونوافذ السلطة في ظل ذلك الضعف بل والغياب التام للحكومة المدنية المجنحة التي جلبت الالم للشعب بدلا عن الامل .
كلها اسباب قادت إلى تراجع الحماس الشعبي الذي لطالما بلغ ذروته دعما للجيش و فرضية الحرب !
الان المسألة لم تعد في حدود أزمة الحكم أو تراجع روح المسئؤلية في قيادات السلطة الحاكمة وعدم حسمهم للامور لا حربا ولا سلما .
ولن نحمل بالطبع ضباط وجنود الجيش المرابطون في مواقعهم كل تلك التبعات على مستوى الميادين المختلفة.. ولكن من الطبيعي أن اولئك النفرمن ابناء الجيش المخلصين احترافا لابد أن يكون شعورهم بالاحباط صدى لتقاعس قياداتهم العليا إنا المختطفة الإرادة أو المشغولة عنهم كما يبدو .
ولابد من الإقرار بكل شجاعة أن مشكلتنا. الوطنية باتت مأساة بلد بحاله يتسرب من بين أصابع زمنه الذي يضيع في حاضره المازوم ولا يستحضر أهله ماضيه للاخذ بالعبر او يتبصروا محجة مستقبله التي يكلل افقها القريب ومداها البعيد ظلام الخوف الذي رسم ملامحه الكالحة السواد.
والله المستعان .



