
*✍️أمير الزين نورالدائم*
*منذ اندلاع الحرب في السودان، ظل شعار “التسوية السياسية”* *يُطرح في كل مرة باعتباره المخرج الأقرب، بل والأكثر “واقعية”، من الكارثة الراهنة. ويُقدَّم هذا الشعار في الخطاب الإقليمي والدولي، وأحيانًا حتى في بعض الخطابات المحلية، كما لو أنه الطريق الوحيد الممكن: إما القبول بما يُصاغ باسم “السلام”، أو البقاء أسرى للحرب والخراب. غير أن هذه الثنائية، في جوهرها، زائفة ومضللة*. *فليس كل ما يُطرح باسم السلام هو سلام، وليس كل اتفاق يوقف إطلاق النار هو بالضرورة طريقًا لإنقاذ البلاد.*
*بل إن التجربة السودانية نفسها، في سنواتها القريبة، تقدّم درسًا بالغ الوضوح: كثير من التسويات لم تُنهِ الأزمات، بل أعادت* *ترتيبها لم تُفكك أسباب الانفجار، بل أجّلت لحظة انفجارها التالية؛ ولم تُنتج سلطة وطنية ديمقراطية، بل كرّست الشراكة بين مراكز القوة المسلحة والنخب السياسية العاجزة عن تمثيل تطلعات الجماهير.*ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل نحن مع التسوية أم ضدها؟، بل:*
*أي تسوية؟ ولصالح من؟ وعلى حساب من؟ وبأي مستقبل سياسي واجتماعي للبلاد؟*
*هذه الأسئلة ليست ترفًا نظريًا، ولا جدلًا لغويًا معزولًا عن المأساة اليومية التي يعيشها الناس. بل هي أسئلة حاسمة، لأن ما يُطرح اليوم في السودان لا يتعلق فقط بوقف الحرب، بل أيضًا — وربما أساسًا — *بكيفية إعادة ترتيب السلطة بعد الحرب*. ومن هنا تكمن الخطورة: أن تتحول الكارثة الوطنية، بكل ما حملته من قتل ونزوح وتجويع وانهيار، إلى *مدخل لإنتاج نظام سياسي جديد يقوم على نتائج الحرب نفسها*، *ويُفرض على الشعب* *السوداني باعتباره “الحل الممكن” أو “أفضل المتاح”.*
*لا خلاف على أن وقف الحرب أولوية إنسانية ووطنية عاجلة*. فحماية المدنيين، ووقف القتل، وفتح الممرات الإنسانية، وتأمين الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، ليست مسائل ثانوية أو قابلة للتأجيل، بل هي الحد الأدنى لأي موقف سياسي مسؤول. ومن هذا المنطلق، فإن أي جهد تفاوضي أو ميداني أو دبلوماسي يفضي فعليًا إلى *وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وكسر الحصار، ومنع مزيد من النزوح والانتهاكات*، *ينبغي النظر إليه بوصفه ضرورة إنسانية عاجلة تستحق الدعم.*
*غير أن الإقرار بهذه الأولوية لا يعني، بأي حال، التسليم بتحويل التفاوض الإجرائي إلى تسوية سياسية* تُستخدم لإعادة شرعنة السلاح، أو إعادة تأهيل الأطراف *التي دمّرت البلاد، أو فرض شراكة جديدة بين العسكر والمليشيات تحت أي لافتة.* *وهنا يكمن الفارق الذي يجب التمسك به بوضوح:* *هناك فرق بين التفاوض الذي يهدف إلى إنقاذ الأرواح، والتسوية التي تهدف إلى إعادة توزيع السلطة بين حملة السلاح*. وهذا ليس تلاعبًا بالمصطلحات، بل تمييز سياسي وأخلاقي ضروري لفهم طبيعة اللحظة الراهنة.*
*إن أي مسار سياسي يقوم على إعادة الشراكة مع العسكر أو المليشيات*، *أو على منح الحصانات وتعطيل العدالة والمحاسبة*، أو على *إعادة تدوير النخب* *التي فشلت أو تواطأت أو وفّرت الغطاء السياسي للخراب*، لا يمكن النظر إليه باعتباره طريقًا جادًا نحو السلام. فالمشكلة في السودان ليست فقط في اشتعال الحرب، بل أيضًا في *البنية السياسية والعسكرية والاقتصادية التي جعلت الحرب ممكنة، ثم حوّلتها إلى وسيلة لإعادة ترتيب السلطة والثروة والنفوذ.*
*ولهذا، فإن كثيرًا مما يُطرح اليوم في بعض دوائر الوساطة والتفاوض لا يبدو، في جوهره، مشروعًا لبناء سلام عادل ودائم، بقدر ما يبدو محاولة لإعادة ترتيب السلطة على قاعدة موازين القوة التي أفرزتها الحرب*.
*وهذا، ببساطة، ليس حلًا. إنه *إدارة جديدة للأزمة القديمة*، أو إعادة إنتاج لها في شكل أكثر خطورة، لأنه يأتي هذه المرة محمولًا على دماء الحرب وخرابها.*
*ومن أخطر ما يُروَّج له في هذا السياق تلك الفكرة التي تقول للناس، بشكل مباشر أو غير مباشر:* *“أوقفوا الحرب بقبول ما يُفرض عليكم باسم الاستقرار*”. وهذه الصيغة، في ظاهرها، تبدو “عملية” و”واقعية”، لكنها في الحقيقة ليست سوى *ابتزاز سياسي وأخلاقي*. فهي لا تطرح السلام باعتباره حقًا للشعب، بل باعتباره *مقابلًا سياسيًا* *ينبغي دفع ثمنه مسبقًا عبر القبول بنتائج السلاح، أو التغاضي عن الجرائم، أو التسليم بأن من دمّروا البلاد يجب أن* *يعودوا شركاء في حكمها.*
*إن هذا المنطق لا يصنع سلامًا، بل يصنع سلامًا مكسورًا* ومشوّهًا، يُبنى على الإفلات من العقاب، وعلى تكريس القوة المسلحة كطريق إلى الشرعية السياسية.*
*وهو منطق بالغ الخطورة، لأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن *العنف يمكن أن يتحول إلى وسيلة مشروعة لانتزاع المكانة السياسية*. وفي بلد مثل السودان، دفع ثمن عسكرة الدولة وتفككها وتمدّد المليشيات على مدى عقود، فإن تكريس هذا المنطق لا يعني سوى *التمهيد لجولة جديدة من الانفجار*.
*ولهذا، فإن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد *هدنة إعلامية*، ولا اتفاقًا هشًا تُلتقط معه الصور ثم يُسوَّق خارجيًا باعتباره “اختراقًا سياسيًا”، بينما تُترك جذور الأزمة كما هي. السلام المطلوب هو *سلام يبدأ من الناس لا من مراكز القوة* *سلام يضع في مقدمته وقف القتل، وحماية المدنيين، وعودة النازحين واللاجئين بكرامة وأمان، وتأمين شروط الحياة الأساسية، لا سلام يُصاغ في الغرف المغلقة ثم يُفرض على المجتمع باعتباره أمرًا واقعًا.*
*كما لا يمكن القبول بالمنطق الذي يحوّل من حملوا السلاح، وخاضوا الحرب، وارتكبوا الانتهاكات، إلى أطراف “مؤسسة للسلام” فقط لأنهم يملكون وزنًا عسكريًا أو قدرة على التعطيل. فذلك يعني، عمليًا، *تحويل العنف نفسه إلى مصدر للأهلية السياسية*.
*ولذلك فإن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على مكافأة حملة السلاح، ولا على إعادة دمجهم في السلطة باعتبارهم “أطرافًا لا يمكن تجاوزها”.*
*فكونهم موجودين في ميزان القوة لا يمنحهم *الحق في صياغة مستقبل البلاد*، ولا يمنحهم حصانة سياسية أو أخلاقية من المحاسبة.*
*إن المخرج الحقيقي من الأزمة لا يمكن أن يكون عبر تقاسم جديد للسلطة بين العسكريين* *والمليشيات*، ولا عبر *واجهة مدنية ضعيفة تُستخدم لتجميل السلطة المسلحة*، ولا عبر إعادة تدوير المعادلة القديمة بترتيبات جديدة. إن أي حل جاد لا بد أن يفتح الطريق بوضوح نحو *سلطة مدنية كاملة، وجيش وطني مهني واحد، وعدالة ومحاسبة، وتفكيك لبنية الحرب والتمكين*. وأي مسار لا يفضي إلى ذلك، مهما تجمّل بخطاب “الاستقرار” أو “الواقعية”، لن يكون سوى *تمديد منظم للأزمة*.
*غير أن رفض هذا المسار لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد اعتراض سلبي أو موقفًا أخلاقيًا مجردًا. فالمطلوب ليس فقط قول “لا” لصفقات إعادة إنتاج الحرب، بل طرح بديل سياسي واضح، يبدأ أولًا من وقف الحرب فورًا وحماية المدنيين*، *لكنه لا يتوقف عند ذلك، بل يرتبط كذلك بـ *رفض الشراكة مع السلاح، وإعادة السياسة إلى المجتمع، وربط السلام بتفكيك بنية الحرب نفسها*.
*فالسودان لا يمكن أن يُبنى من غرف الفنادق، ولا من تفاهمات الوسطاء، ولا من مساومات النخب المعزولة، بل من إرادة الجماهير الحقيقية*، *ومن حق الضحايا والناجين، ولجان المقاومة، والنقابات، والقوى القاعدية، والنساء، والشباب،* *والنازحين، وكل من دفعوا كلفة هذه الكارثة، في أن يكونوا جزءًا من تقرير مصير البلاد، لا مجرد موضوعات يُتحدث عنها في موائد التفاوض.*
*كما أن أي “سلام” لا يرتبط بجدول واضح وملزم من أجل *تفكيك التمكين، وإنهاء اقتصاد الحرب، وحل أو دمج كل التشكيلات المسلحة خارج إطار جيش وطني واحد، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية ومهنية وديمقراطية*، لن يكون سلامًا حقيقيًا، بل مجرد *استراحة مؤقتة قبل الانفجار القادم*. فالحرب في السودان ليست حادثًا عابرًا، ولا خللًا طارئًا، بل نتيجة مباشرة لبنية سياسية وعسكرية واقتصادية فاسدة، قائمة على *عسكرة الدولة، والإفلات من العقاب، ونهب الموارد، ومصادرة السياسة من المجتمع*. ولذلك فإن أي حل لا يمس هذه الجذور سيظل مجرد قشرة رقيقة فوق نار مشتعلة.*
*إن واجب القوى الوطنية والديمقراطية اليوم ليس التكيّف مع نتائج الحرب*، ولا *التسليم بمنطق الأمر الواقع*، ولا *القبول بإعادة إنتاج السلطة تحت ضغط الكارثة*. بل واجبها هو أن تقول الحقيقة كما هي: *لا يمكن إنقاذ السودان بصفقة بين من دمّروه*. فوقف الحرب ضرورة عاجلة، نعم، لكن إنهاء الحرب لا يجوز أن *يتحول إلى بوابة لإعادة إنتاج أسبابها*.
*ولهذا فإن المعركة المطروحة اليوم ليست فقط ضد الحرب الجارية، بل أيضًا ضد *محاولة تحويل الحرب إلى نظام سياسي جديد*. ومن هنا، فإن الدفاع عن السلام لا ينفصل عن الدفاع عن *المدنية، والعدالة، والمحاسبة، وحق السودانيين في وطن لا تحكمه البنادق ولا تُكتب خرائطه في الغرف المغلقة*.
*إن السودان لا يحتاج إلى *تسوية تعيد ترتيب الخراب*، بل إلى *حل وطني ديمقراطي يوقف الحرب ويقتلع جذورها معًا*. وما عدا ذلك، مهما بدا “واقعيًا” في اللحظة الراهنة، لن يكون إلا *استراحة قصيرة في الطريق إلى الكارثة التالية* ٠



