اغتيال أسامة حسن- قراءة في استهداف القيادات الشبابية في السودان بين منطق الدولة ومنطق الإرهاب

خالد كودي، بوسطن
في مساء الحادي والثلاثين من مارس 2026، لم يكن القصف الذي استهدف مدينة نيالا مجرد عملية عسكرية عابرة في سياق حرب ممتدة، بل كان حدثًا كثيف الدلالة، يكشف عن تحوّل نوعي في طبيعة الصراع السوداني. اغتيال الأستاذ الشاب أسامة حسن، عضو الهيئة القيادية لتحالف “تأسيس”، لا يمكن قراءته بوصفه “أثرًا جانبيًا” لعملية قتالية، بل باعتباره فعلًا مقصودًا يدخل في إطار الاستهداف السياسي الممنهج للقيادات الناشئة، وعلى وجه الخصوص القيادات الشبابية التي تمثل إمكانات التحول التاريخي.
لقد برز أسامة حسن بوصفه أحد الوجوه الشابة التي لم تكتفِ بالشعارات، بل انخرطت في العمل المجتمعي والمصالحة المحلية في دارفور وغيرها، وسعى إلى بناء جسور بين مكونات متصارعة في سياق اجتماعي معقد. هذه الوظيفة—وظيفة الوسيط الاجتماعي والسياسي—هي بالضبط ما يجعل من هذه الشخصيات الشبابية هدفًا استراتيجيًا لأي سلطة تسعى إلى إعادة إنتاج الهيمنة عبر العنف، لا عبر التفاوض.
أولًا: الاغتيال كأداة سياسية—من الحرب إلى الإرهاب
من منظور دراسات السلام والنزاعات، لايُعرَّف الإرهاب عبر هوية الفاعل وحسب، بل عبر طبيعة الفعل ذاته: أي استخدام العنف ضد أهداف مدنية أو سياسية بهدف تحقيق غايات سياسية عبر الترهيب أو الإقصاء. في هذا السياق، فإن استهداف منزل قيادي سياسي شاب بطائرة مسيّرة—خارج إطار اشتباك مباشر—يدخل ضمن ما يمكن تسميته بـ “الإرهاب من الدولة” (State Terrorism)
حيث تتحول أدوات الدولة العسكرية إلى وسائل لتصفية الخصوم السياسيين المدنيين.
هذا النمط ليس جديدًا في التاريخ. فقد مارسته أنظمة متعددة، من أمريكا اللاتينية خلال حقبة “الحروب القذرة”، إلى الشرق الأوسط في تصفيات الحركات بل المجتمعات المعارضة. كما مارسته حركات غير دولية—من تنظيمات إسلامية إلى جماعات يمينية ويسارية متطرفة—حين لجأت إلى اغتيال القادة السياسيين لإحداث فراغ قيادي وإرباك المشروع المقابل.
غير أن خطورة الحالة السودانية تكمن في تداخل الدولة مع الأيديولوجيا، حيث لا يعمل الجيش بوصفه مؤسسة وطنية محايدة، بل كامتداد لبنية سياسية–عقائدية تشكلت تاريخيًا داخل الحركة الإسلامية السودانية. هذه الحركة، التي حكمت السودان لعقود، لم تكتفِ بإدارة السلطة، بل أعادت تشكيل أجهزة الدولة—بما فيها الجيش—وفق منطق الولاء الأيديولوجي، ما جعل العنف أداة مشروعة للحفاظ على الهيمنة.
ثانيًا: استهداف الشباب—قتل الإمكان التاريخي
إن اغتيال أسامة حسن، بوصفه قياديًا شابًا، يفتح بابًا لتحليل أعمق يتعلق بـ الجيل كفئة سياسية. فالشباب، في سياقات ما بعد الثورات والحروب، لا يمثلون مجرد فئة عمرية، بل يمثلون مشروعًا بديلًا للسلطة والمعنى. إنهم، بلغة أنطونيو غرامشي، نواة “الكتلة التاريخية” الجديدة القادرة على إعادة تشكيل المجتمع.
من هنا، فإن استهداف القيادات الشبابية ليس عرضيًا، بل يدخل ضمن استراتيجية تهدف إلى:
– قطع استمرارية المشروع السياسي البديل
– إضعاف شبكات التنظيم المجتمعي
– بث الرعب في صفوف الأجيال الصاعدة
– إعادة إنتاج الهيمنة عبر إفراغ المستقبل من فاعليه
لقد شهدت تجارب عديدة هذا النمط: من اغتيال قادة الحركات الطلابية في أمريكا اللاتينية، إلى تصفية القيادات الشابة في حركات التحرر الإفريقية ومنهم:
،Steve Biko ، Hector Pieterson Dele Giwa, Pio Gama Pinto, Tilahun Gizaw,
Osama Hassan
والقائمة تطول. وفي كل هذه الحالات، كان الهدف هو ذاته: منع تشكل قيادة جديدة قادرة على تجاوز البنية القديمة
ثالثًا: بين الحركة الإسلامية والإرهاب المعولم
إذا وضعنا هذا الحدث في سياق تاريخ الحركة الإسلامية السودانية، نجد أن العنف لم يكن استثناءً، بل كان جزءًا من بنية التفكير السياسي. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، ارتبط النظام السوداني آنذاك بشبكات إسلامية عابرة للحدود، واستضاف شخصيات وتنظيمات مصنفة إرهابية، ما أدى لاحقًا إلى تصنيفه ضمن الدول الراعية للإرهاب.
هذا التاريخ لا يمكن فصله عن الحاضر. فحين تستخدم الدولة أدوات مثل الطائرات المسيّرة لاستهداف خصوم سياسيين مدنيين داخل المدن، بل داخل منازلهم فإنها تعيد إنتاج نفس المنطق الذي تقوم عليه التنظيمات الإرهابية العالمية:
– تسييس العنف خارج قواعد الحرب التقليدية
– استهداف الرموز لإحداث أثر نفسي واسع
– تجاوز الحدود الأخلاقية والقانونية للصراع
وهنا تتلاشى الحدود بين “الدولة” و”التنظيم”، ليصبح الفارق شكليًا أكثر منه جوهريًا.
رابعًا: المرافعة—تفكيك شرعية العنف
من منظور القانون الدولي الإنساني، فإن استهداف الأفراد خارج ساحات القتال، وخاصة في مناطق مدنية، يمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ التمييز والتناسب. كما أن تصفية القيادات السياسية—دون محاكمة أو اشتباك مباشر—تقع ضمن جرائم يمكن توصيفها كـ اغتيالات خارج نطاق القانون.
وعليه، فإن الموقف ضد حكومة الأمر الواقع في السودان، وضد الجيش الذي يعمل تحت تأثير التنظيمات الإسلامية،
يتاسس علي:
– انتهاك القانون الدولي الإنساني
– استخدام القوة العسكرية لأغراض سياسية داخلية
– استهداف المدنيين والقيادات غير القتالية
– إعادة إنتاج نمط الإرهاب من الدولة
هذه ليست مجرد اتهامات سياسية، بل هي أسس قانونية وأخلاقية لابد من البناء عليها في أي مسار عدالة دولية مستقبلية.
خامسًا: هل يفتح الاغتيال باب الرد بالمثل؟
السؤال الأكثر خطورة لا يتعلق بالماضي، بل بالمستقبل:
هل سيدفع اغتيال أسامة حسن تحالف “تأسيس” إلى الرد بالمثل؟
التاريخ يعلمنا أن اغتيال القيادات غالبًا ما يؤدي إلى أحد مسارين:
١/ التصعيد المتماثل: حيث تتحول الحرب إلى سلسلة من الاغتيالات المتبادلة، كما حدث في تجارب عديدة، من الجزائر إلى كولومبيا.
٢/ التحول الاستراتيجي: حيث يتم تحويل الحدث إلى لحظة تعبئة سياسية وأخلاقية تعزز شرعية المشروع بدل الانجرار إلى منطق العنف.
إن الرد بالمثل، رغم إغراءه، يحمل خطرًا وجوديًا: إذ قد يؤدي إلى تحويل الصراع من مشروع تأسيسي إلى حرب انتقامية، قد تفقد فيها القوى الجديدة تفوقها الأخلاقي والسياسي!
لكن في المقابل، فإن عدم الرد—إذا لم يُقترن ببناء استراتيجية واضحة—قد يُفسَّر كضعف، ما يشجع على مزيد من الاستهداف، ومزيد من الاغتيالات!
هنا يكمن التحدي الحقيقي:
كيف يمكن الرد دون السقوط في منطق العدو؟
كيف يمكن تحويل الدم إلى رأسمال سياسي وأخلاقي، لا إلى وقود لحرب بلا أفق؟
خاتمة: اغتيال الجسد أم اغتيال الفكرة؟
إن اغتيال أسامة حسن ليس نهاية قصة، بل بداية سؤال تاريخي:
هل يمكن قتل مشروع عبر قتل حامليه؟
التجربة الإنسانية تشير إلى العكس. فقد اغتيل قادة كثر—من باتريس لومومبا إلى ستيف بيكو—لكن أفكارهم تحولت إلى قوة مضاعفة، لأن العنف الذي استهدفهم كشف هشاشة الأنظمة التي قتلتهم.
في السودان اليوم، يقف هذا الحدث بوصفه لحظة اختبار:
ليس فقط لتحالف “تأسيس”، بل لمستقبل السياسة ذاتها.
إما أن ينزلق الصراع إلى منطق الاغتيال المتبادل،
أو أن يتحول إلى لحظة وعي تؤسس لقطيعة مع تاريخ طويل من العنف.
وفي هذا المفترق، لا يُقاس النصر بعدد من يُقتلون،
بل بقدرة المشروع على إعادة تعريف الحياة نفسها في وجه الموت.
النضال مستمر والنصر اكيد.



