الأعمدة

القنبلة الموقوته والحزام الناسف لاهالي ولاية الجزيرة لم تنفجر بعد فهل من متعظ..؟؟

بقلم /المستشار مهيد شبارقة
لعمري.ان ما كشفته الحرب العبثية كان كافيًا فهل اتعظ الشعب أم سلطة الولاية؟
في خضم الحرب العبثية التي اجتاحت السودان منذ أبريل 2023 لم تكن ولاية الجزيرة تلك الرقعة التي طالما وُصفت بأنها (سلة غذاء السودان) بمنأى عن التحولات العنيفة التي كشفت المستور وأعادت طرح أسئلة مؤجلة منذ عقود
ومن بين أكثر القضايا التي طفت إلى السطح بقوة/#قضية “الكنابي وسكانها تلك التجمعات السكانية التي نشأت على هامش مشروع الجزيرة وظلت لعقود طويلة خارج دائرة التخطيط الرسمي لكنها في لحظة الانهيار الأمني بدت وكأنها تتحول في نظر البعض إلى /حزام ناسف” يحيط بالقرى والمدن.
غير أن هذا التوصيف رغم قسوته يستدعي قراءة تحليلية متأنية:
#هل المشكلة في السكان أنفسهم؟
#أم في الدولة الاجرامية التي أنتجت هذا الواقع ثم تنكرت له؟
#وهل ما كشفته الحرب كان كافيًا لإحداث مراجعة جادة أم أن الجميع شعبًا وسلطة ما زالوا يراوحون مكانهم؟
أولاً: #الكنابي… نشأة التهميش المؤسس:
ظهرت الكنابي تاريخيًا كمساكن عمالية حول مشاريع الزراعة المروية وخاصة مشروع الجزيرة حيث استقدمت العمالة من مناطق مختلفة داخل السودان وخارجه (خاصة من غرب أفريقيا)
للعمل في الزراعة ومع مرور الزمن تحولت هذه المعسكرات المؤقتة إلى تجمعات دائمة لكنها ظلت خارج الاعتراف الرسمي من حيث:
=التخطيط العمراني
الخدمات الأساسية (مياه، كهرباء، صحة، تعليم)
#التمثيل الإداري والسياسي
وهكذا نشأ جيل بعد جيل داخل هذه الكنابي وهو يحمل شعورًا مزدوجًا:
الانتماء المكاني للجزيرة مقابل الإقصاء القانوني والاجتماعي من أهلها.
ثانيًا: #الحرب كاشف لا صانع للأزمة:
حين اندلعت الحرب العبثية وانهارت المنظومة الأمنية برزت الكنابي فجأة في واجهة الأحداث لا باعتبارها مجرد ضحية بل في بعض الروايات كفاعل محتمل في حالة الانفلات.
لكن القراءة الموضوعية تفرض التمييز بين:
/الواقع الأمني المعقد:
حيث تسللت مجموعات مسلحة ومليشيات إلى مناطق متعددة بما فيها الكنابي.
/التعميم الخطير:
الذي يحمّل مجتمعًا كاملًا مسؤولية أفعال مجموعات محدودة.
فالحرب لم تصنع الأزمة بل كشفت هشاشة البناء الاجتماعي وفضحت فشل الدولة في دمج هذه الكتلة السكانية الكبيرة ضمن النسيج الوطني بشكل عادل.
ثالثًا: #من ضحايا التهميش إلى “متهمين أمنيًا.
المفارقة الصادمة أن سكان الكنابي الذين كانوا لعقود ضحايا للإقصاء وجدوا أنفسهم فجأة في قفص الاتهام عبر خطاب إعلامي وشعبي يتحدث عن:
“خطر ديمغرافي”
“حزام أمني مهدد”
“بيئة حاضنة للفوضى”
وهذا التحول في الخطاب يعكس أزمة أعمق في الوعي الجمعي حيث يتم اختزال المشكلة في /الآخر” بدلًا من مساءلة:
/سياسات الدولة الفاشلة
/غياب التنمية المتوازنة
/ضعف الإدارة المحلية
رابعًا: #مسؤولية السلطة… غياب التخطيط أم تواطؤ بالإهمال؟
لا يمكن قراءة ظاهرة الكنابي بمعزل عن دور الدولة التي تتحمل مسؤولية تاريخية في:
/عدم تقنين أوضاع هذه التجمعات رغم استقرارها لعقود
/حرمانها من الخدمات الأساسية بما خلق بيئة هشّة قابلة للاختراق
/توظيفها سياسيًا في بعض المراحل دون إدماج حقيقي
بل إن بعض التحليلات تذهب إلى أن الإبقاء على هذه المناطق في حالة رمادية” كان يخدم مصالح قوى سياسية تستفيد من هشاشتها عند الحاجة.
خامسًا: #هل الكنابي خطر فعلاً… أم نتيجة الخطر؟
والسؤال الجوهري هنا:
هل الكنابي تمثل خطرًا بذاتها؟
أم أنها نتيجة لسياسات أنتجت الخطر؟
فالواقع يشير إلى أن أي تجمع بشري:
محروم من التعليم فاقد للخدمات
مهمّش سياسيًا يمكن أن يتحول إلى بيئة خصبة للجريمة أو الاستقطاب المسلح ليس بسبب طبيعته بل بسبب ظروفه.
وعليه، فإن توصيف الكنابي كـحزام ناسف” قد يكون دقيقًا من زاوية أمنية ظرفية لكنه مضلل إذا لم يُربط بأسبابه الجذرية.
سادسًا: #المجتمع بين الخوف والإنكار:
على المستوى الشعبي كشفت الحرب عن حالة من:
/الخوف المتبادل بين سكان القرى والكنابي
/تصاعد خطاب الكراهية
/غياب مبادرات التعايش المحلي
لكن في المقابل برزت أيضًا نماذج إيجابية:
/قرى احتضنت نازحين من الكنابي
/مبادرات شبابية لتخفيف التوتر
/دعوات عقلانية لعدم التعميم
ما يعني أن المجتمع يقف على مفترق طرق: إما الانزلاق نحو الانقسام أو إعادة بناء الثقة.
سابعًا: #هل اتعظت السلطة؟
حتى اللحظة لا توجد مؤشرات قوية على مراجعة جادة من قبل سلطات الولاية حيث لا يزال الغياب سيد الموقف في:
/وضع سياسات إدماج واضحة
/إطلاق مشاريع تنموية عاجلة
/إعادة هيكلة الإدارة المحلية
ويبدو أن المعالجة ما زالت تميل إلى المقاربة الأمنية بدلًا من الحلول التنموية والاجتماعية المستدامة.
ثامنًا: #هل اتعظ الشعب؟
أما على المستوى الشعبي فالصورة أكثر تعقيدًا: هناك وعي متزايد بخطورة التهميش لكن في المقابل تصاعدت النزعات الإقصائية وتراجع الخطاب العقلاني أمام ضغط الخوف
بمعنى أن الدرس لم يُستوعب بالكامل بعد.
#خاتمة:
بين فرصة الإصلاح وخطر الانفجار
ما كشفته الحرب في ولاية الجزيرة لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان مؤجلًا فالكنابي ليست قنبلة زرعها سكانها، بل هي نتاج تراكمات من الإهمال والتجاهل.
#والسؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة:
هل نمتلك الشجاعة لتحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة والعدالة؟
أم سنواصل الهروب إلى الأمام حتى تنفجر القنابل التي صنعناها بأيدينا.؟
إن الإجابة لا تقع على عاتق السلطة وحدها ولا على المجتمع وحده بل على الاثنين معًا.
فإما أن تكون الحرب قد علمتنا شيئًا… أو أنها لم تكن كافية بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى