“المتاهة العنكبوتية”: كيف حوّلت القوانين الخاصة اقتصاد السودان إلى “إقطاعيات نهب” تحت حراسة الجيش

أسامة كنينة
مقدمة: الخديعة الكبرى
في ظاهر الأمر، يمتلك السودان تسلسلاً هرمياً رصيناً لمصادر التشريع يبدأ بالدستور كأعلى وثيقة، يليه التشريع الصادر من السلطة التشريعية، ثم اللوائح، والسوابق القضائية، مع اعتبار الشريعة الإسلامية والعرف مصدرين أساسيين. لكن الحقيقة المرة التي كشفتها العقود الماضية ــ وخاصة عهد نظام “الإنقاذ” (1989-2019) ــ أن هذا الهيكل ليس سوى “واجهة ديكورية” لواقع مرير ومأساوي؛ حيث ابتلعت “القوانين الخاصة” روح القانون العام، وتحول التشريع من أداة لتحقيق العدالة إلى ترسانة قانونية لحماية السلطة وخصخصة موارد الدولة وإفلات الجناة من العقاب. هذه “المتاهة العنكبوتية” لم تكن مجرد ترهل إداري، بل كانت استراتيجية تعمية قانونية مقصودة، هدفها تحويل اقتصاد السودان إلى إقطاعيات نهب تحت حراسة الجيش الذي ظن نفسه حامياً للسيادة، فإذا به حارسٌ للصوص.
أولاً: هندسة التمكين ــ كيف حوّلت القوانين الخاصة الدولة إلى “إقطاعيات تشريعية”؟
لم تكن خصخصة مؤسسات الدولة في عهد الإنقاذ مجرد إجراء اقتصادي أو إداري، بل كانت “مكيدة تشريعية” محكمة الصياغة. فبدلاً من خضوع المؤسسات المخصخصة في قطاعات النفط والمعادن والاتصالات والموانئ والكهرباء للوائح الخدمة المدنية الموحدة وقانون المعاملات المدنية والقانون الجنائي العام، عُمد إلى صياغة “قانون خاص” لكل مؤسسة على حدة.
هذه القوانين الخاصة خلقت “جزراً قانونية معزولة”، تتمتع بخصائص مدمرة: أولاً، التحصين من الرقابة، حيث انتزعت هذه القوانين المؤسسات من ولاية ديوان المراجع العام وقانون الخدمة المدنية، مما جعل لوائحها الداخلية وتعييناتها وميزانياتها محصنة قانونياً ضد المساءلة التقليدية. ثانياً، منح كل قانون خاص مدير المؤسسة سلطات شبه سيادية، تتيح له إصدار لوائح داخلية وقرارات مالية تتمتع بقوة القانون، بل وتعلو أحياناً على نصوص الدستور نفسه. ثالثاً، استُخدمت هذه القوانين لمنح حوافز ورواتب وحصانات استثنائية لمنسوبي النظام داخل تلك المؤسسات، مما خلق طبقة إدارية موازية للدولة وموالية سياسياً. رابعاً، تحول نظام “القانون العام” إلى هيكل هش، حيث أصبحت القوانين الخاصة للمؤسسات هي المحرك الفعلي للاقتصاد والسلطة، بينما أصبح القانون العام مجرد ديكور يطبق على عامة الشعب.
هكذا تحولت الدولة السودانية من كيان موحد تحكمه قواعد عامة إلى “إقطاعيات تشريعية”؛ لكل إقطاعية قانونها الخاص الذي يعلو فوق الدستور والتشريع العام، وكل إقطاعية تُدار كدولة داخل الدولة، وقائدها يتمتع بحصانات تجعله فوق المساءلة.
ثانياً: القاعدة الأصولية المقلوبة ــ “الخاص يقيد العام” كصك غفران لنهب الاقتصاد
اعتمدت هذه الهندسة التشريعية على قاعدة أصولية معروفة في الفقه القانوني: “الخاص يقيد العام”. في سياقها الطبيعي، هذه القاعدة تهدف إلى تنظيم التخصص القانوني؛ فالقانون الخاص يأتي لتفصيل أحكام القانون العام، وليس لنقضها أو تعطيلها. لكن في السودان، تم قلب هذه القاعدة رأساً على عقب، لتصبح أداة هدم للقانون العام وأداة شرعنة لنهب الاقتصاد.
قانون الأمن الوطني لسنة 2010 وتعديلاته نص على حصانة مطلقة لأعضاء الجهاز، فلا يجوز اتخاذ أي إجراءات قانونية جنائية أو مدنية ضد أي عضو أو متعاون عن أي فعل يتصل بتنفيذ واجباته، إلا بإذن مكتوب من المدير العام. كما منح القانون سلطات اعتقال تحفظي لفترات طويلة دون إشراف قضائي، متجاوزاً بذلك قانون الإجراءات الجنائية العام. أما قانون القوات المسلحة لسنة 2007، فجعل المحاكم العسكرية هي المختصة حصرياً بمحاكمة العسكريين حتى في الجرائم المرتكبة ضد المدنيين، معطلاً بذلك ولاية المحاكم الجنائية العامة، ومنح حصانة إجرائية تمنع القبض على أي ضابط أو فرد دون إذن من القيادة.
وقوانين الهيئات والمؤسسات المخصخصة احتوت على نصوص تمنع “حصانة جنائية” أو تعفي من المسؤولية في حالات “حسن النية” أو “أداء الواجب”، وهي عبارات فضفاضة أبطلت فاعلية نصوص التجريم في القانون العام. النتيجة المنطقية لهذا التحول: إذا ارتكب فرد أمن جريمة نهب للمال العام أو تهريب للذهب أو تزوير لعقود، يتم التمسك بقانون الأمن أو قانون القوات المسلحة “كقانون خاص” يمنحه الحصانة أو يغير الإجراءات، مما يؤدي إلى إفلات الجناة من العقاب وتحول نهب الاقتصاد إلى “حق مكتسب”.
ثالثاً: نموذج التعدين ــ خمس بوابات لجبل واحد واقتصاد ينهب في الظلام
لنأخذ قطاع التعدين وخصوصاً الذهب كنموذج تطبيقي يكشف كيف تعمل هذه المتاهة العنكبوتية عملياً في نهب الاقتصاد. لاستخراج الذهب بشكل “قانوني” في السودان، يجب عبور خمس مؤسسات على الأقل، لكل منها “قانونها الخاص” الذي قد يتعارض مع الآخر.
تبدأ الرحلة عند مسجل الشركات في وزارة العدل، الذي يعمل بموجب قانون الشركات لسنة 2015، حيث يتم إيداع لائحة التأسيس وعقد التأسيس. ثم التوجه إلى وزارة الاستثمار التي تمنح “رخصة الاستثمار” بموجب قانون تشجيع الاستثمار لعام 2021، وهي رخصة تمنح امتيازات جمركية وضريبية غالباً ما تتصادم مع القوانين المالية العامة. بعد ذلك تأتي وزارة المعادن والهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، وهما الجهة الفنية المسؤولة عن منح رخص الاستكشاف والتعدين بموجب قانون تنمية الثروة المعدنية. ثم تظهر الشركة السودانية للموارد المعدنية، وهي الذراع الرقابي الذي يمثل أحد أوجه تداخل المهام، حيث تقوم بجباية الأنصبة والرقابة الميدانية، وغالباً ما تكون لوائحها الداخلية أقوى نفاذاً من نصوص القوانين الوزارية. وأخيراً، بنك السودان المركزي، الذي يتحكم في “كود التصدير” وعائدات الصادر والتحاويل الخارجية، ويخضع لقوانين نقدية تتبدل بمنشورات دورية تجعل التخطيط طويل المدى مستحيلاً.
لماذا صُممت هذه المتاهة؟ أولاً، لتشتيت المساءلة؛ فتعدد الجهات يعني ضياع “المسؤول الأول” عند حدوث فساد أو تهريب، فكل جهة تلقي باللائمة على القانون الخاص بالجهة الأخرى. ثانياً، لخلق بوابات “الجبايات” غير الخاضعة للرقابة؛ فكل مؤسسة من هذه المؤسسات تملك “رسوماً” و”طوابع” و”لوائح مالية” خاصة بها لا تدخل بالضرورة في الخزينة العامة، مما يحول العملية إلى مصدر تمويل ذاتي لهذه الهيئات بعيداً عن رقابة البرلمان أو وزارة المالية. ثالثاً، لإقصاء “الغرباء” وجذب “المرتبطين”؛ فالتعقيد المفرط يضمن أن الشركات “المرضية عنها” فقط هي التي تستطيع عبور المتاهة، بينما ينسحب المستثمر الجاد أو المحامي المستقل أمام هول الإجراءات.
هذا النموذج يتكرر في قطاعات النفط والاتصالات والموانئ والكهرباء والزراعة والسدود وغيرها. كل قطاع عبارة عن “غابة تشريعية” لا يملك خريطتها إلا من وضعها، وكل قطاع هو “إقطاعية نهب” بامتياز.
رابعاً: الجيش ــ “حارس المتاهة” الغافل الذي يحمي نهب الاقتصاد
ربما كانت أخطر نتيجة لهذه الهندسة التشريعية هي تجنيد المؤسسة العسكرية كحارس لهذه المتاهة العنكبوتية. هذه العملية تمت عبر عدة آليات.
أولاً، صيغ قانون القوات المسلحة لعام 2007 وتعديلاته ليكون “ملاذاً آمناً” للعسكريين بعيداً عن جحيم القانون الجنائي العام. فقد أنشأ القانون محاكم عسكرية خاصة تنتزع اختصاص المحاكم المدنية في نظر الجرائم التي يرتكبها العسكريون، حتى لو كانت ضد مدنيين، مما جعل “الخصم هو الحكم”. كما تم تمييع العقوبات؛ فالعقوبات في القانون العسكري على الجرائم الكبرى لا تتناسب مع بشاعة الفعل. فبينما يواجه المدني عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد لجرائم مماثلة، توفر النصوص العسكرية مخارج مثل “الطرد من الخدمة” أو السجن لسنوات قليلة تحت بند “مخالفة الأوامر”. كما منحت الحصانات المهولة، حيث لا يمكن حتى استجواب العسكري إلا بإذن من قيادته، وهو إذن يُستخدم سياسياً لحماية الولاءات لا لتحقيق العدالة.
ثانياً، تم خلق “مجمع صناعي دفاعي” من خلال القوانين الخاصة، حيث ربطت رفاهية العسكريين بمؤسسات اقتصادية موازية هي شركات تابعة للجيش وصناديق سيادية لا تخضع للميزانية العامة. هذا جعل الجيش “حارساً لمصالحه الاقتصادية” وليس حارساً للدولة، معتقداً أنه يحمي “مقدرات الشعب”، بينما هو في الحقيقة يحمي “إقطاعيات قانونية” تنهب موارد البلاد.
ثالثاً، تم تزييف الوعي المؤسسي عبر إقناع المؤسسة العسكرية بأن أي محاولة لإخضاعها للقانون العام أو الرقابة المدنية هي “مؤامرة لتفكيك الجيش” أو “خيانة للوطن”. بينما الحقيقة أن هذا الاستثناء القانوني هو الذي يآكل الدولة من الداخل ويجرد الجيش من دوره الوطني الأصيل.
رابعاً، تحول الجيش إلى “حصان طروادة” متجدد؛ فالنخب الحاكمة أدركت أن الجيش هو القوة الوحيدة القادرة على فرض “الأمر الواقع”. لذا، هي لا تحكم مباشرة، بل تحكم “عبر الجيش”، تاركة له واجهة السلطة ومسؤولية القمع، بينما تجني هي ثمار القوانين الخاصة والامتيازات الاقتصادية في الظل. مأساة “حارس المتاهة” أنه يستهلك قوته ودماء أبنائه في حماية هيكل قانوني وإداري صُمم أصلاً لاستنزاف موارد الدولة وإبقاء الشعب في حالة فقر وتهميش.
خامساً: ظهور طبقة “الجوكية” ــ سماسرة المتاهة وقطاع الطرق الجدد
أدى تضخم القوانين الخاصة إلى أرقام هائلة تتجاوز المئات بل ربما الآلاف، مما خلق واقعاً تشريعياً فريداً في تعقيده. هذه المتاهة العنكبوتية أفسحت المجال لظهور طبقة اجتماعية جديدة: “الجوكي” أو “السمسار”. هؤلاء ليسوا بالضرورة محامين، لكنهم يملكون “المعرفة الحرام” بالثغرات الموجودة في القوانين الخاصة لكل مؤسسة.
الجوكي يعرف متى يُطبق “قانون الاستثمار” ليلغي “قانون الضرائب”، ومتى يُستخدم “منشور البنك المركزي” لتعطيل “قانون التجارة”، وكيف يتم عبور المتاهة بين مسجل الشركات ووزارة الاستثمار ووزارة المعادن وبنك السودان. هم “المترجمون الفعليون” لشفيرة القوانين الخاصة. وجودهم حول العدالة والمعاملات الحكومية إلى سلعة تباع وتشترى، وليس حقاً لمن يملك الحجة القانونية.
المحامي الملتزم بالقانون العام يجد نفسه عاجزاً أمام موظف يتمسك بلائحة داخلية سرية، فيتدخل الجوكي الذي يملك “العلاقات” و”المعلومة المستترة” لتمرير المعاملة. هذه الظاهرة حولت القانون من أداة عدالة إلى سوق للسمسرة، وجعلت النفاذ إلى الاقتصاد مرتبطاً بالوساطة والرشوة وليس بالجدارة والشفافية.
سادساً: الفصل التام ــ قانون للرعايا وآخر للسلطة
هذا الاستغلال المشوه للقاعدة الأصولية أدى إلى نشوء نظام قانوني طبقي في السودان، يمكن وصفه بـ “العدالة المشطورة”. على جانب، هناك قانون “الرعايا” وهو القانون العام الذي يُطبق بصرامة وقسوة على المواطن العادي، صغار الكسبة، وأصحاب المهن الهامشية. هؤلاء يواجهون كامل قسوة القانون الجنائي لسنة 1991 من جلد وغرامات وحبس طويل، وقوانين “النظام العام” التي استُخدمت لقمع الحريات الشخصية، وقانون الإجراءات الجنائية بدون أي حصانات أو استثناءات.
على الجانب الآخر، هناك قانون “النخبة الحاكمة” والمتمثل في القوانين الخاصة التي تعيش فيها الحكومة وأجهزتها الأمنية والعسكرية والشركات السيادية والهيئات المخصخصة في “جزر قانونية” محصنة. هنا تجد الحصانات الإجرائية التي تمنع حتى استجوابهم دون إذن مسبق من قيادتهم، والعقوبات المخففة أو البديلة التي تحل محل العقوبات الرادعة في القانون العام، والمحاكم الخاصة التي تحل محل المحاكم المدنية.
هذا الفصل التام انتهك أبسط مبادئ العدالة وهو مبدأ “عمومية القاعدة القانونية”. إذا سرق مواطن مدني، يُطبق عليه القانون العام فوراً. وإذا بدد مسؤول سيادي أو عسكري الملايين، يُدفع بالحصانة الإجرائية والقانون الخاص للمؤسسة. هذا جعل المواطن يشعر بأن القانون العام أصبح “سوطاً” على ظهره، بينما القوانين الخاصة أصبحت “درعاً” للسلطة. وجعل النيابة العامة والقضاء يتحولان إلى “منظمي سير”؛ يوجهون القضايا الجنائية للمدنيين نحو المحاكم، بينما يصطدمون بـ “حائط الحصانات” عندما يتعلق الأمر بالحكومة وأجهزتها.
سابعاً: ما بعد 2019 ــ إصلاحات عرجاء وجدران صامدة
بعد ثورة ديسمبر 2019 وسقوط نظام الإنقاذ، بدت الفرصة سانحة لإصلاح هذا التشوه التاريخي. الوثيقة الدستورية لعام 2019 حاولت التأكيد على مبدأ سيادة حكم القانون وفصل السلطات. لكن الواقع العملي واجه عدة معوقات.
أولاً، بقيت الآلاف من القوانين الخاصة سارية المفعول، لأن إلغاءها يحتاج إلى “بديل تشريعي” فوري لمنع الفراغ الإداري. هذا استغله سدنة النظام القديم لعرقلة التغيير بحجة “الحفاظ على استقرار المؤسسات”. ثانياً، ظل السماسرة والوسطاء الذين تعودوا على جني الأرباح من عبور المتاهة فاعلين، بل استفادوا من حالة عدم الاستقرار السياسي لتعزيز مواقعهم. ثالثاً، شهدت الفترة الانتقالية صراعاً بين القوى المدنية التي تريد إخضاع الجميع للقانون العام، والقوى العسكرية التي تتمسك بـ “قوانينها الخاصة” كخط أحمر، وكان هذا الصراع أحد أسباب انهيار الانتقال المدني. رابعاً، كان حصر هذه القوانين وحدها “الكابوس” الذي واجهته اللجان القانونية؛ فإلغاء قانون خاص لمؤسسة واحدة قد يؤدي إلى تعطيل حقوق آلاف الموظفين أو عقود دولية، لأن النظام ربط “بقاء المؤسسة” بـ “فساد قانونها الخاص”.
خاتمة: ضرورة الثورة التشريعية لهدم الإقطاعيات
إن تشخيص الأزمة السودانية يقودنا إلى استنتاج واحد حاسم: المشكلة ليست في الأشخاص فقط، بل في “الشيفرة القانونية” التي تدير الدولة. تغيير الوجوه السياسية، أو إجراء انتخابات، أو حتى تعديل الدستور، لن يكون كافياً طالما بقيت “المتاهة العنكبوتية” من القوانين الخاصة قائمة. لا يمكن استعادة اقتصاد السودان ولا إقامة دولة القانون دون هدم هذه الجدران الصلبة.
أولاً، يجب “تصفير العداد التشريعي” عبر إلغاء جميع القوانين الخاصة التي تمنح حصانات أو ولاية استثنائية لأي جهة أمنية أو عسكرية أو هيئة أو شركة حكومية أو صندوق سيادي، بلا استثناء. ثانياً، توحيد المرجعية والعودة إلى هرمية واضحة ومحترمة للمصادر التشريعية، يكون فيها الدستور هو القمة، يليه القانون العام الموحد الذي يخضع له الجميع دون تمييز، بما في ذلك المؤسسة العسكرية والأمنية. ثالثاً، إخضاع الجيش للقانون العام عبر إلغاء المحاكم العسكرية للجرائم ضد المدنيين، وإخضاع العسكريين للقضاء المدني الطبيعي، وتغيير عقيدة الجيش من “عقيدة انتصار” إلى “عقيدة دستورية” تخضع للسلطة المدنية والقانون.
رابعاً، إنهاء عصر “الجوكية” عبر تبسيط الإجراءات وجعل النفاذ إلى الخدمات والتراخيص حقاً قانونياً مباشراً، لا يحتاج إلى وسيط أو “شفيرة”، وإنشاء “نافذة واحدة” رقمية شفافة لكل المعاملات الحكومية. خامساً، تفعيل الرقابة القضائية والدستورية وتمكين المحكمة الدستورية من إلغاء أي قانون خاص يصطدم مع المبادئ العامة للحقوق وسيادة القانون. سادساً، إصلاح التعليم القانوني لتحديث المناهج الجامعية وتدريب جيل جديد من المحامين والقضاة يكونون على وعي كامل بالمتاهة التشريعية وسبل هدمها.
بدون هذه الثورة التشريعية الجذرية، ستبقى أي حكومة انتقالية أو ديمقراطية جديدة ترقص خارج الحلبة، بينما تظل “المتاهة العنكبوتية” ومفاتيحها في أيدي من أتقنوا لعبة القوانين الخاصة. سيظل القانون العام سوطاً على ظهر الضعفاء، ودرعاً للأقوياء، وستظل عدالة السودان واقتصاده مشطورين بين رعايا يحاكمون بقسوة، ونخبة تفلت بدرع الحصانات وتنهب المال العام تحت حراسة الجيش. الخلاصة: لا خلاص دون هدم المتاهة، ولا خلاص دون إعادة بناء “دولة القانون” على أسس سليمة.
—
هذا المقال مجرد تحليل لواقع النظام القانوني والاقتصادي السوداني، وهو لأغراض تحليلية وأكاديمية وهو بمثابة جهد المقل في الجهود التي تهدف الي إصلاح المنظومة العدلية وتقويم البنية الاقتصادية السودانية، فالفساد المالي محمي بفساد قانوني ونظام تشريعي معتم ولابد توجيه الضوء نحو هذه العتمة ،حتي نستطيع جميعا الخروج من هذا النفق المظلم
—–



