الأعمدة

«من مارادونا إلى مودريتش العجوز.. رحلة انحدار الكالتشيو والأزوري»

سقوط الأزوري على أعتاب الجحيم: حين يغيب النبض ويخفت الأصداء

#روما RAdwan ALi Al Hasan
خرج المنتخب الإيطالي ليؤرخ لفصل آخر من فصول العبث الكروي. لم يكن الخسارة أمام البوسنة والهرسك، تلك التي تحتل في سلم الفيفا موقعًا متواضعًا هو الـ66، مجرد خروجٍ بضربات الجزاء في نهائي الملحق الأوروبي، بل كانت لوحة تشكيلية سوداء على جدار أحلام الأربع مرات التي توجت بالمونديال. خروجٌ ثالث تواليًا من دهاليز الملحق، بعد السويد ومقدونيا الشمالية، بات أشبه بلعنةٍ تتجدد، تكتبها أصابع الإخفاق بقلم الرصاص الذي لا يلبث أن يُمحى ليعاد كتابته مجددًا.
وخلف هذا السقوط المدوي، تقبع خمسة أسباب شكّلت معًا سيمفونية التنافر. أولها، غياب الجيل الذهبي. فبين زمن ديل بييرو وتوتي وبيرلو، أولئك الذين نقشوا أسماءهم على كأس العالم 2006، وبين حاضر يبحث عن نجمه في أغلى صفقاته ساندرو تونالي، الذي دفع نيوكاسل ثمناً باهظاً لضمه، وحارس عالمي بحجم دوناروما، هناك هاوية. هاوية تظهر جلية حين يكون المهاجمان الأساسيان هما ريتيجي ذو الأصل الأرجنتيني وكين، في مؤشر صارخ على أزمة الإنتاج المحلي للهدافين.
وثانيها، تحول الكالتشيو من سوق العظماء إلى ملاذ المعتزلين. ذاك الدوري الذي كان في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وكرسي العرش العالمي، حيث مارادونا وفان باستن وخلّيت يتحدون الجاذبية، وحيث توج كاكا بآخر كرة ذهبية لأحد أبنائه عام 2007، صار اليوم قبلة للنجوم على أعتاب الاعتزال. مودريتش ذو الأربعين عامًا يرتدي قميص ميلان، وفاردي الذي بلغ التاسعة والثلاثين يمثل كريمونيزي، في مشهد يعكس انحسار وهج الدوري وامتداد أثره السلبي على المنتخب.
أما ثالثها، انهيار معادلة القوة التقليدية. لم يعد يوفنتوس، عمود الفقري التاريخي للأزوري، بطلًا للدوري منذ 2020، بينما غابت هوية ميلان تمامًا عن قائمة المنتخب في الملحق، ليصبح الفريق الوطني بلا جذور عميقة تمتد إلى كبرى الأندية التي كانت تشكله.
ورابعها، التحول في البوصلة الجماهيرية. ففي بلد يعشق المستديرة، بات التنس ينافسها بشراسة، بفضل إنجازات سينر. أكثر من 21 مليون إيطالي يهتفون للكرة، مقابل ما يقارب 20 مليونًا يتابعون التنس والبادل، في إحصائية تروي قصة تراجع الاهتمام. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتدت ريادة الإيطاليين في الفورمولا 1 عبر أنتونيللي الشاب، والإنجازات الأولمبية في ميلانو كورتينا، لتصنع جميعها منافسًا شرسًا لكرة القدم في فضاء الإثارة الرياضية.
وخامسها، أزمة الهوية داخل المدرجات. لم يعد الأزوري يمتلك قاعدة جماهيرية منظمة كتلك التي تمتلكها الأندية من ألتراس يملؤون المدرجات بالأوشحة والهتافات. هذا الانفصام العاطفي جعل المدرب جاتوزو يختار ملعب بيرجامو الضيق لخوض نصف النهائي، هربًا من صافرات الاستهجان التي انطلقت من جماهير الميلان والإنتر على لاعبي الفرق المنافسة في لقاء ميلانو الأخير.
في هذا المشهد، يرحل المنتخب الإيطالي إلى حيث لا يشتهيه أحد، حاملاً جراحًا لا تلتئم، وكأن كرة القدم في بلاد الفسيفساء تعاقب من رفع الكأس أربع مرات، بأن يظل أسير انتظار لا ينتهي.

زر الذهاب إلى الأعلى