


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في عالم القانون الرياضي، كثيراً ما تكون الكلمة الواحدة أثقل وزناً من نتيجة المباراة بأسرها. وتقرير الحكم الكونغولي جان جاك ندالا، الذي أدار نهائي كأس أمم أفريقيا 2025 بين المغرب والسنغال، خيرُ مثال على ذلك. فهذه الوثيقة التي لم تتجاوز في مضمونها بضعة أسطر، باتت اليوم محور النزاع القانوني الأكبر في تاريخ الكرة الأفريقية.
أولاً: الوقائع كما دوّنها الحكم
في الدقيقة السابعة والتسعين من الوقت الإضافي، وعقب احتساب ركلة جزاء لصالح المغرب إثر إلغاء هدف سنغالي قبلها بلحظات، غادر المنتخب السنغالي أرضية الملعب احتجاجاً، ولم يعد إليها إلا بعد نحو اثنتي عشرة دقيقة، بتدخل من قائده ساديو ماني الذي أقنع زملاءه بالعودة وإكمال المباراة التي انتهت بفوز السنغال 1-0 بعد الوقت الإضافي.
ما يُلفت النظر قانونياً هو التوصيف الذي اختاره ندالا لهذه الواقعة في تقريره الرسمي، إذ وصفها بأنها “توقف مؤقت للعب” تلته عودة إلى الملعب واستئناف للمباراة. ولم يُشِر التقرير في أي موضع إلى مفردة “انسحاب” أو “رفض مواصلة اللعب”، كما أنه أثبت فوز السنغال ميدانياً دون قيد أو تحفظ. فضلاً عن ذلك، كشف التقرير أن الحكم رأى نفسه مضطراً إلى إنهاء المباراة قبل استكمال الوقت المتبقي بسبب الأوضاع الأمنية المتوترة في المدرجات.
ثانياً: المعضلة القانونية – نص اللائحة في مواجهة وصف الحكم
تُشكّل المادة الرابعة والثمانون من لائحة بطولة كأس أمم أفريقيا حجر الأساس في هذه القضية. وهي تنصّ صراحةً على أن كل منتخب يُغادر الملعب أو يرفض مواصلة اللعب يُعتبر خاسراً بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل صفر. غير أن تطبيق هذه المادة يفترض توافر ركنين جوهريين: فعل المغادرة، والإرادة الصريحة في رفض الاستمرار.
وهنا يبرز التناقض القانوني في جوهره:
فمن حيث الشكل، وقعت مغادرة الملعب بما لا خلاف فيه. أما من حيث الإرادة، فإن التقرير الذي يُعدّ الوثيقة الأعلى مرتبةً في منظومة التوثيق التحكيمي لم يصف ما جرى بوصف الرفض، بل وصفه بالتوقف المؤقت الذي أعقبته عودة طوعية. والمنطق القانوني يقضي بأنه لا يجوز لجهة قضائية أو تأديبية أن تُضفي على واقعة وصفاً أشد مما أثبته الحكم نفسه الذي حضرها وعايشها.
ثالثاً: الورقة الخطيرة – الضغوط المؤسسية
أبعد من توصيف الواقعة، كشفت وثائق اطلعت عليها صحيفة لوموند الفرنسية أن الحكم ندالا تلقّى توجيهات تحثّه على عدم معاقبة اللاعبين السنغاليين لحظة عودتهم، وذلك بهدف تأمين استئناف المباراة وإعادة الهدوء إلى الملعب. وقد أقرّ رئيس لجنة الحكام في الكاف بوجود ضغوط مورست على الطاقم التحكيمي للحفاظ على صورة المباراة النهائية أمام العالم.
هذا الكشف يفتح ثغرة قانونية خطيرة من زاويتين متعاكستين:
الزاوية الأولى لصالح السنغال: إن كان الحكم قد تلقّى تعليمات بعدم المعاقبة تسهيلاً للاستئناف، فهذا يُرسّخ أن الجهة المختصة ذاتها تعاملت مع الموقف باعتباره انقطاعاً لا انسحاباً، وهو ما يتناقض مع قرار معاقبة السنغال لاحقاً بالفورفيت استناداً إلى المادة ذاتها.
الزاوية الثانية لصالح المغرب: أن الاعتراف بوجود تدخل مؤسسي يعني ضمنياً الاعتراف بأن ما جرى كان استثنائياً ويستدعي معالجة استثنائية، وأن تجاوز المعاقبة في لحظتها لا يُسقط الحق في تطبيق اللائحة لاحقاً وفق الأصول التأديبية.
رابعاً: موازين القوة أمام محكمة التحكيم الرياضية
يقف الملف اليوم أمام محكمة التحكيم الرياضية الدولية في لوزان بسويسرا (TAS)، وهي المرجعية القضائية العليا في النزاعات الرياضية. وعادةً ما تسير هذه المحكمة وفق مبدأين راسخين: أولهما أن النصوص اللائحية تُفسَّر تفسيراً حرفياً ما لم تُوجد ثغرة جوهرية، وثانيهما أن الوثائق الرسمية كتقرير الحكم تحظى بمرتبة دليل أولي لا يجوز تجاوزه بسهولة.
وبناءً على ذلك، تبدو حجة السنغال ذات ثقل قانوني معقول، لأن تقرير الحكم يدعمها في توصيف الواقعة، فيما يستند المغرب إلى حجة مغايرة مفادها أن فعل المغادرة قائم بصرف النظر عن التوصيف، وأن اللائحة لا تشترط إثبات النية لتطبيق الجزاء.
غير أن المحكمة ستجد نفسها أمام سؤال أعمق: هل يجوز للجهة التي وجّهت تعليمات للحكم بالتساهل في لحظة الأزمة أن تعود بعد أسابيع لتُعاقب الطرف ذاته استناداً إلى الأزمة التي تجاوزتها بإرادتها؟ هذا هو المأزق الأخلاقي والقانوني الذي لا مفرّ من الإجابة عنه.
تقرير الحكم ندالا ليس وثيقةً رياضية عابرة، بل هو نص مزدوج الدلالة، يُقرأ في آنٍ واحد لصالح الطرفين ولصالح أيٍّ منهما. وفي القانون الرياضي، حين يكون النص محتملاً لأكثر من تأويل، يُرجَّح في الغالب التأويل الأوفق لمبدأ العدالة الموضوعية لا الشكلية. وهذا تحديداً ما تُراهن عليه السنغال في لوزان، في حين يراهن المغرب على أن حرفية اللائحة أقوى من روح التفسير.
كأسٌ واحد، وتقريرٌ واحد، وعبارةٌ واحدة – “توقف مؤقت” – ستُحدد في نهاية المطاف مَن يرفعه.



