


كتب: معاوية أبوالريش
لامين يامال، نجم برشلونة والمنتخب الإسباني ذو الأصول المغربية، تعرّض خلال مباراة أتليتكو مدريد وبرشلونة في الدوري الإسباني لهتافات عنصرية بغيضة من بعض مشجعي الأتليتكو، إذ صرخ فيه بعضهم أمام الملأ: “أنت قبيح جداً… ارجع إلى المغرب” كلمات خرجت من حناجر لا تعرف للكرامة الإنسانية قدراً، استهدفت في آنٍ واحد هويته وجذوره ودينه، وطارت لتُوجع روح فتىً لم يُقصّر يوماً في الدفاع عن القميص الذي يرتديه.
غادر يامال الملعب غاضباً رغم فوز فريقه، ولم يكن غضبه من نتيجة أو قرار تحكيمي، بل من شيء أعمق وأشد إيلاماً: من كلمات أرادت أن تُخبره بأنه غريب في أرض صنع فيها مجده.
وقفة الكبار
لم يصمت يامال ولم يبتلع الإهانة. خرج بموقف واضح وصريح أعلن فيه رفضه القاطع لكل أشكال العنصرية، مؤكداً أن استخدام الدين أو الأصل للسخرية داخل الملاعب أمر مرفوض تماماً، وأن من يفعل ذلك لا يُعبّر إلا عن جهله. وكان قد سبق ذلك موقف مماثل له حين تعرّض لهتافات مسيئة للإسلام خلال مباراة إسبانيا ومصر الودية، فغادر الملعب من الباب الخلفي رافضاً تحية الجماهير، ثم نشر على حسابه بكل فخر واعتزاز: “أنا مسلم، الحمد لله”
هذا ليس موقف لاعب منكسر يشكو ويتألم في صمت. هذا موقف إنسان واعٍ بهويته، يعرف من هو، ويرفض أن يُجبَر على الاختيار بين انتماءات هي جميعاً أجزاء حقيقية من روحه.
ليست الحادثة الأولى
المؤلم أن ما جرى في ميتروبوليتانو لم يكن حادثة معزولة أو زلة لسان عابرة. كرة القدم الإسبانية تعيش أزمة حقيقية مع ظاهرة العنصرية في ملاعبها، وقد سبق أن طالت لاعبين كثيرين من أصول مختلفة. وتضامن مع يامال النجم البرازيلي فينيسيوس جونيور، الذي ذاق هو الآخر مرارة هذه الهتافات في الملاعب الإسبانية ذاتها وعلى مدار سنوات. وفي هذا التضامن رسالة بليغة المعنى: العنصرية لا تستهدف شخصاً بعينه، بل تستهدف كل من يختلف لوناً أو ديناً أو أصلاً.
صوت المؤسسات
على إثر هذه الأحداث، أدان رئيس الوزراء الإسباني ما جرى بشكل قاطع، مؤكداً أن هذه الهتافات لا تعبّر عن قيم المجتمع الإسباني ولا تمثّله، ورافضاً كل سلوك يقوم على التمييز بسبب الدين أو الأصل. كما فتحت شرطة كاتالونيا تحقيقاً رسمياً، وأصدر الاتحاد الإسباني لكرة القدم إدانته الصريحة لهذه الممارسات.
لكن الإدانات الكلامية وحدها لا تكفي ولا تُغيّر واقعاً. ما يحتاجه لامين ومن يتعرضون لمثل هذا الأذى هو تحوّل حقيقي وملموس في ثقافة المدرجات، ثقافةٌ تُدرك أن اللاعب الذي يحمل جذوراً من ثقافة أخرى ليس دخيلاً يُطرد، بل هو ثروة تُضاف وقيمة تُحتفى بها.
حلم المغرب… بين الجدار القانوني والثغرة الاستثنائية
حين علت تلك الهتافات في ميتروبوليتانو، تساءل كثيرون في العالم العربي والمغرب على وجه الخصوص بعاطفة جياشة: هل يترك لامين إسبانيا ويعود إلى حيث تنتمي جذوره؟ هل يرتدي يوماً قميص أسود الأطلس ؟
السؤال مفهوم عاطفياً، غير أن الإجابة القانونية أكثر تعقيداً مما يبدو.
من الناحية القانونية الصارمة، تحوّله إلى المنتخب المغربي شبه مستحيل. فلوائح الفيفا تنص صراحةً على أن اللاعب الذي خاض أكثر من ثلاث مباريات رسمية مع منتخب ما، ثم توّج ببطولة قارية، لا يحق له تغيير انتمائه الدولي مهما كانت الظروف. ولامين تجاوز هذا الحد بفارق كبير، فقد خاض عشرات المباريات مع إسبانيا وكان النجم الأبرز في بطولة يورو 2024 التي رفع فيها الكأس القارية وهو لم يبلغ السابعة عشرة بعد. هذا التتويج بالذات يُغلق الباب نهائياً وفق المادة التاسعة من لوائح الفيفا.
بيد أن بعض خبراء القانون الرياضي يرون أن ثمة مسارين استثنائيين قد يُفتحان أمامه إن أراد. الأول يقوم على حجة أن قرار تمثيل إسبانيا اتُّخذ حين كان يامال قاصراً لم يبلغ سن الرشد القانوني، وبالتالي لم يكن يملك الأهلية الكاملة ليُدرك تبعات هذا القرار على مستقبله كله. والثاني يستند إلى مبدأ “القوة القاهرة”، أي أن تعرّضه لعنصرية ممنهجة ومتكررة بسبب أصوله ودينه يُشكّل بيئة عمل مُعادية لا يمكن لأي إنسان أن يُجبَر على الاستمرار فيها. وهذان المساران هما ما يجعلان الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تُراقب الوضع باهتمام بالغ، مستعدةً للتحرك القانوني فور أن يُبدي يامال أي إشارة في هذا الاتجاه.



