الأعمدة

البرهان يقود دولة بلا بوصلة : وزارة الخارجية تعلن مقاطعة مؤتمر برلين ومناوي يعلن إرسال ممثل رسمي من حكومته إلى نفس المؤتمر،

عبد الماجد كبر
قلناها مرارًا، ونكررها اليوم بوضوح أكبر: البرهان يقود دولة بلا بوصلة في سياستها الخارجية. التخبط لم يعد مجرد انطباع، بل أصبح واقعًا تُترجمه القرارات المتناقضة على أعلى مستوى.
وزارة الخارجية تعلن مقاطعة مؤتمر برلين حول السودان في 15 أبريل، بحجة عدم التشاور ووجود أطراف معادية. قرار سيادي يُفترض أنه يعكس موقف الدولة… لكن المفاجأة تأتي سريعًا: حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، يعلن إرسال ممثل رسمي من حكومته إلى نفس المؤتمر، في تجاهل صريح لموقف الحكومة التي هو جزء منها.
هذه ليست حادثة عابرة، بل نموذج صارخ لفوضى القرار داخل الدولة. حكومة تتخذ قرارًا… وأحد مكوناتها ينقلب عليه علنًا. أي رسالة تُرسل للعالم؟ أهذه دولة أم مجموعة من مراكز القوى المتصارعة؟ لذا لم تضع الحكومة الألمانية وزنًا لقرار الحكومة السودانية ومطالبها إذا كان مسؤولو الحكومة أنفسهم لا يلتزمون بقرار حكومتهم.
المشكلة أعمق من مؤتمر. حين تتعدد مراكز القرار، تضيع هيبة الدولة، ويتحول الملف الخارجي إلى ساحة مفتوحة لكل من يبحث عن نفوذً. وهذا ما حذرنا منه مرارًا: لا يجوز لأي كيان مسلح أو مكوّن سياسي أن يدير علاقات خارجية خارج إطار الدولة. اتفاقية جوبا منحت هذه الأطراف موقعًا داخل الحكومة، لا حق العمل كدول موازية.
صحيح أن مبررات المقاطعة ضعيفة—خصوصًا وأن المؤتمر إنساني الطابع—لكن حتى القرار الضعيف يظل أقل خطورة من الفوضى. ما قام به مناوي ليس “اجتهادًا”، بل تجاوز مباشر يقوّض ما تبقى من تماسك مؤسسي.
المعادلة بسيطة: إما دولة بقرار واحد… أو فوضى بأصوات متعددة.
وعلى البرهان أن يحسم ذلك فورًا. فإن كان بعض شركائه لا يرون أنفسهم ملزمين بقرارات الحكومة، فلا معنى لأن يظل هو مقيّدًا باتفاقيات تمنحهم وزارات وسلطات. الدولة لا تُدار بالمجاملات… بل بوضوح السلطة، ووحدة القرار.

زر الذهاب إلى الأعلى