الأعمدة

مو إبراهيم يكتب في فايننشال تايمز: ما يحدث في السودان لن يبقَ داخل السودان

ترجمة عن مقال رأي للكاتب ورجل الأعمال السوداني البريطاني مو إبراهيم، نشرته صحيفة Financial Times بتاريخ 13 أبريل 2026.
حذر رجل الأعمال السوداني البريطاني مو إبراهيم من أن استمرار الحرب في السودان لم يعد شأناً داخلياً، مؤكداً أن تداعياتها مرشحة لزعزعة استقرار الإقليم وتهديد أوروبا، إذا استمر الانهيار الحالي دون تدخل حاسم.
وقال إبراهيم إن الحرب تدخل هذا الأسبوع عامها الرابع، بعد أن خلّفت مأساة إنسانية واسعة، مشيراً إلى مقتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص، ووجود 19 مليوناً يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء، إلى جانب نزوح 12 مليون سوداني من منازلهم.
وأضاف أن ملايين الأطفال باتوا خارج المدارس، ومئات الآلاف بلا وثائق ميلاد، فيما تعرضت أعداد كبيرة من النساء والفتيات لانتهاكات جسيمة.
حرب من أجل السلطة
وتساءل إبراهيم عن الغاية من استمرار القتال، قائلاً إنه لا يجد تفسيراً سوى الصراع على السلطة والثروة.
وأوضح أن جذور الأزمة تعود إلى نظام الرئيس السابق عمر البشير، حين كان كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع جزءاً من بنية الحكم التي نشأت بعد انقلاب عام 1989 على الحكومة الديمقراطية برئاسة الصادق المهدي.
وأشار إلى أن ذلك الانقلاب حلّ البرلمان، وحظر الأحزاب السياسية، وقاد البلاد إلى سنوات من القمع والحروب، انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011.
دارفور وصناعة المليشيات
وتناول الكاتب ما جرى في دارفور بين عامي 2003 و2005، قائلاً إن الإقليم شهد إبادة جماعية، ومنه خرجت القوات التي أصبحت لاحقاً الدعم السريع، قبل أن يمنح البشير قائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي” نفوذاً واسعاً.
وأضاف أن البشير اتبع سياسة توزيع القوة بين الجيش والدعم السريع والأجهزة الأمنية لضمان بقائه في الحكم.
الثورة ثم الحرب
وقال إبراهيم إن شباب السودان قادوا ثورة سلمية في 2019 أطاحت بالبشير، لكن التسوية التي تلت ذلك أنشأت سلطة مشتركة ضمت العسكريين والمدنيين.
وأضاف أن العسكريين لم يقبلوا بالرقابة المدنية، ما قاد إلى انقلاب جديد، ثم إلى الحرب الحالية بين شركاء الأمس.
وأكد أن ثلاث سنوات من القتال أفرزت تقسيمًا فعلياً للبلاد، مع انتشار مليشيات متعددة ذات طابع إثني، ما يجعل الحسم العسكري أمراً بعيد المنال.
الخطر يتجاوز حدود السودان
وشدد إبراهيم على أن ما يحدث في السودان لن يتوقف عند حدوده، نظراً لارتباطه المباشر بمصر، وليبيا، وتشاد، وأفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، وإثيوبيا، وإريتريا.
وأضاف أن معظم هذه الدول تواجه هشاشة داخلية أو توترات قائمة، ما يجعل استمرار الحرب السودانية عاملاً قابلاً لإشعال نزاعات أوسع في القرن الأفريقي ومحيطه.
وقال إن تفكك السودان سيكمل قوساً من الأراضي المنفلتة يمتد عبر الساحل الأفريقي من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، وهي منطقة تتزايد أهميتها الاستراتيجية.
ووصف هذا المشهد بأنه تهديد مباشر لأفريقيا وأوروبا، محذراً من تحوله إلى مساحة مفتوحة للجماعات المسلحة والتهريب والفوضى.
دعوة لوقف التسليح
ودعا مو إبراهيم إلى تحرك دولي أكثر جدية، قائلاً إن الوساطات القائمة لم ترتقِ إلى حجم الكارثة.
وطالب الإمارات، وإيران، وتركيا، وباكستان، ودولاً أخرى، بوقف إرسال السلاح والدعم فوراً، مؤكداً أن هذه التدخلات تطيل أمد الحرب وتفاقم المجاعة والنزوح.
وقال:
“نرحب بمحبتكم للشعب السوداني، لكننا لا نرحب برصاصكم وطائراتكم المسيّرة.”
الذهب والصمغ العربي
وأشار إلى أن عائدات الذهب والصمغ العربي تصب في خزائن طرفي الحرب، داعياً إلى تصنيف هذه الموارد بوصفها “سلع دم”، على غرار “ألماس الدم”، ومنع تداولها دولياً.
الحل السياسي
وأكد أن مفاوضات وقف إطلاق النار يجب أن تسير بالتوازي مع عملية سياسية شاملة تضم المدنيين، وكل القوى المؤمنة بمستقبل ديمقراطي للسودان.
العصا والجزرة
وفي ختام مقاله، قال إبراهيم إن الضغط على قادة الحرب يجب أن يجمع بين العقوبات والحوافز، مشيراً إلى أن أصولهم المالية موجودة في الخارج، وأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم.
كما دعا، رغم صعوبة الفكرة، إلى بحث منح ممر آمن أو عفو محدود لمن يوافقون على إنهاء الحرب، إذا كان ذلك سيسهم في إنقاذ الأرواح ووقف الدمار.
وختم بالقول:
“أي خطوة توقف كابوس التدمير في السودان تستحق أن تُجرَّب.

زر الذهاب إلى الأعلى