
محمد أحمد شبشة
حين وافقت الحكومة الانتقالية السودانية قبل سنوات على دفع مئات الملايين من الدولارات كتعويضات لعائلات ضحايا تفجيرات السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام، لم يكن الأمر مجرد تسوية قانونية لإنهاء نزاع قديم مع واشنطن، بل بدا بالنسبة لكثيرين كفاتورة سياسية كاملة دفعتها الخرطوم للخروج من العزلة الدولية، في عملية ارتبطت لاحقاً بمسار التطبيع مع إسرائيل تحت ضغوط أميركية كثيفة اعتبرها منتقدون شكلاً من أشكال الابتزاز السياسي. اليوم، وبينما تدور معركة قانونية جديدة داخل أروقة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي حول ملف “جبر الضرر” لضحايا دارفور، يبدو السؤال القديم وكأنه يعود بصيغة مختلفة: هل تجد الدولة السودانية نفسها مرة أخرى أمام محاولة دولية لإلزامها بدفع فاتورة حربٍ ارتبطت هذه المرة بواحدة من أعقد قضايا العدالة الدولية في أفريقيا؟ وما أشبه الليلة بالبارحة.
فحين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أواخر العام الماضي حكمها بالسجن عشرين عاماً بحق علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم “علي كوشيب”، بدا للكثيرين أن واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وإثارة للجدل في ملف دارفور قد وصلت إلى محطتها الأخيرة؛ فالرجل الذي ظلّ لسنوات أحد أبرز الوجوه المرتبطة باتهامات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في الإقليم أُدين أخيراً بسبعٍ وعشرين تهمة، بعد معركة قضائية طويلة امتدت لنحو عامين داخل أروقة لاهاي. لكن ما يحدث الآن داخل المحكمة يكشف أن القضية لم تنتهِ فعلياً، بل ربما دخلت مرحلتها الأكثر حساسية وتعقيداً: مرحلة “جبر الضرر” وتعويض الضحايا، وهي المرحلة التي لا تتعلق فقط بمصير رجل مدان، بل بالسؤال الأكبر المتعلق بمن يتحمل الكلفة السياسية والمالية والأخلاقية لحرب دارفور نفسها.
المذكرات القانونية الأخيرة التي قدّمها فريق الدفاع بقيادة المحامي سيريل لاوتشي تكشف تحوّلاً لافتاً في إستراتيجية الدفاع؛ فبعد أن أمضى الفريق سنوات وهو يقاتل داخل قاعة المحكمة على فرضية “الخطأ في الهوية”، محاولاً إقناع القضاة بأن موكله ليس القائد الميداني المقصود بأوامر القبض ولا الرجل الذي ارتبط اسمه بقيادة مليشيات الجنجويد في غرب السودان، يبدو أن الدفاع انتقل الآن بصورة كاملة من معركة “نفي المسؤولية” إلى معركة مختلفة تماماً: “تقاسم المسؤولية”.
وهنا تحديداً تكمن أهمية التحول الحالي؛ لأن الدفاع لم يعد ينازع في أصل الإدانة بقدر ما يحاول إعادة تعريف موقع كوشيب داخل الرواية القانونية والتاريخية للحرب. فبدلاً من صورة “القائد المنفلت” الذي ارتكب الجرائم بإرادته المستقلة، يسعى الفريق إلى ترسيخ صورة أخرى أكثر تعقيداً: رجل كان جزءاً من منظومة دولة كاملة، تحرك داخل بنيتها الأمنية والعسكرية والسياسية، ونفّذ سياسات مرتبطة بمؤسسات الحكم في الخرطوم آنذاك.
وربما لهذا السبب لا تبدو المذكرة الأخيرة مجرد مناورة إجرائية مرتبطة بالتعويضات، بل محاولة لإعادة توزيع عبء الجريمة نفسها.
فعلى المستوى العملي يدرك الدفاع أن ملف “جبر الضرر” قد يفتح الباب أمام تعويضات بمبالغ ضخمة قد تصل إلى عشرات أو حتى مئات الملايين من الدولارات لصالح آلاف الضحايا في دارفور، وهو عبء مالي يستحيل تقريباً أن يتحمله فرد بمفرده، خصوصاً في حالة متهم مثل كوشيب لا يُعرف عنه امتلاك إمبراطورية مالية أو شبكات أصول عابرة للحدود. ولهذا تبدو محاولة جرّ الدولة السودانية إلى قلب معادلة التعويضات خطوة دفاعية ذات بعد واقعي بحت؛ إذ إن الاعتراف بمسؤولية الدولة—ولو بصورة تضامنية—ينقل مركز الثقل المالي من المتهم الفرد إلى الكيان السيادي القادر نظرياً على الدفع.
لكن المسألة تتجاوز المال نفسه إلى البعد الرمزي والأخلاقي للقضية. فالمحاكم الجنائية الدولية لا تنتج أحكاماً قانونية فقط، بل تصوغ أيضاً روايات تاريخية معتمدة حول الحروب والجرائم الكبرى. ومن هنا تبدو محاولة الدفاع لإثبات دور الدولة محاولة لإعادة كتابة موقع كوشيب داخل سردية دارفور: ليس بوصفه “وحشاً منفرداً” خرج عن سلطة الدولة، بل باعتباره أداة داخل بنية سياسية وأمنية أوسع.
هذا التحول يكتسب حساسية إضافية لأن المحكمة نفسها ظلت طوال سنوات تتعامل مع الجرائم في دارفور باعتبارها مرتبطة بسياق سياسي وعسكري تقوده الدولة السودانية في ذلك الوقت. ولذلك فإن الدفاع يحاول استثمار هذه الحقيقة بطريقة معاكسة: إذا كانت الجرائم قد ارتُكبت ضمن سياسات دولة ومؤسساتها، فلماذا يتحمل الفرد وحده التكلفة الكاملة لجبر الضرر؟
وفي خلفية هذا الجدل يبرز “الصندوق الاستئماني للضحايا” التابع للمحكمة الجنائية الدولية، وهو الآلية التي تُستخدم عادة لتعويض الضحايا عندما يكون المدانون غير قادرين مالياً على الدفع. لكن الدفاع لا يبدو راغباً في الاكتفاء بهذا المسار التقليدي؛ إذ يسعى بصورة واضحة إلى دفع المحكمة نحو إقرار مبدأ أكثر خطورة سياسياً وقانونياً، يقوم على أن الدولة السودانية نفسها هي “المدين الأصلي” تجاه الضحايا، لا مجرد طرف خارجي أو سياق تاريخي للأحداث.
وهنا تحديداً يدخل قرار مجلس الأمن رقم 1593 الصادر تحت الفصل السابع على الخط. فهذا القرار، الذي أحال ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005، يمنح المحكمة غطاءً قانونياً دولياً واسعاً لمطالبة الدولة السودانية بالتعاون الكامل. والدفاع يدرك جيداً أن إدخال ملف التعويضات ضمن مفهوم “التعاون” يضع السلطات السودانية الحالية في وضع بالغ التعقيد؛ لأنها ستجد نفسها أمام معادلة شائكة: إما الانخراط في ترتيبات التعويض وتتبع الأصول المرتبطة بالنظام السابق، أو مواجهة اتهامات بعرقلة مسار العدالة الدولية.
ولذلك فإن ما يجري الآن داخل أروقة المحكمة لا يتعلق فقط بمصير رجل أدين بجرائم حرب، بل يكشف عن معركة أعمق حول الكيفية التي ستُوزع بها مسؤولية حرب دارفور نفسها بين الأفراد والدولة، وبين الماضي والحاضر، وبين النظام الذي سقط والسلطة التي تدير البلاد اليوم من بورتسودان.
وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن فريق الدفاع، بعد أن فشل في إخراج كوشيب من قفص الإدانة، يحاول الآن توسيع القفص نفسه بحيث لا يقف فيه الرجل وحيداً.
تنويه:
يعتمد هذا التقرير، ضمن مصادره الأساسية، على وثيقة قانونية مودعة لدى المحكمة الجنائية الدولية من قبل هيئة الدفاع عن المتهم علي محمد علي عبد الرحمن المعروف بـ«علي كوشيب»، وتحمل الرقم المرجعي:
ICC-02/05-01/20-1338
بعنوان:
Defence Submission on Reparations
والمودعة بتاريخ 22 مايو/أيار 2026 ضمن إجراءات قضية دارفور أمام الدائرة الابتدائية الأولى بالمحكمة الجنائية الدولية.
كما اطلع التقرير على أحد ملاحق الوثيقة، وهو:
ICC-02/05-01/20-1338-Anx2
الخاص بقائمة المراجع والسلطات القانونية التي استند إليها الدفاع في دفوعه المتعلقة بملف «جبر الضرر» والتعويضات.
وتُظهر الوثيقة أن هيئة الدفاع استندت إلى سوابق قضائية للمحكمة الجنائية الدولية، ووثائق أممية، وتشريعات وطنية ودولية خاصة بتعويض ضحايا النزاعات والانتهاكات الجسيمة، إلى جانب مراسلات رسمية صادرة عن جمهورية السودان للمحكمة بشأن ترتيبات التعويضات وجبر الضرر.



