
دكتور كمال محمد الأمين
يا بلبوسي …
الغراب طائر محظوظ. لأنه حين يذهب يجلب شيئاً. أما هؤلاء فذهبوا وجلبوا… لا شيء. بل جلبوا ما هو أسوأ من لا شيء!
ذهب وفد صمود المبارك إلى برلين. برلين! المدينة التي أعادت بناء نفسها من تحت الأنقاض! ذهبوا إلى هناك بعقول سودانية ودم سوداني وألم سوداني… وعادوا بمليار وثمانمائة مليون دولار، وبتعهدات، بوثائق جمعت بين المدنيين وتوافقوا علي هدنة إنسانية وحماية للمدنيين ووقف للحرب تنتظر أن تتحول إلى سلام على الأرض!
ثم…
ثم جاء الوفد الآخر!
وفد الكيزان ! تلك الجماعة الإرهابية ومعهم بعض الدواعش ماذا فعل هؤلاء؟
ذهبوا إلى أوروبا… ليجمعوا العواطلجية !
نعم!العواطلجية ! أولئك الذين لا عمل لهم إلا الهتاف! أجلسوهم على البصات والقطارات بعضهم بالمال والغالبيه بوجبات سريعة وأطعموهم وأسقوهم، ووزعوا عليهم لافتات كُتبت باللغة الأنجليزية وإن كان أصحابها لا يُتقنون العربية!
ثم وقفوا أمام العالم يهتفون ضد وقف الحرب!
ضد وقف الموت المجاني ! وقفوا لقلب الحقائق رأسا علي عقب
أتدري ما معنى هذا؟ معناه أن ثمة بشراً على هذه الأرض يُقاتلون من أجل استمرار القتال! يتعبون من أجل ألا يستريح أحد! يكدحون من أجل أن يظل الآخرون يموتون!
يا للهواية النادرة!
وأما مندوبهم الذي أوفدوه إلى واشنطن…
فلم يذهب ليوقف الحرب. معاذ الله! ذلك عمل الساذجين والمغفلين والذين يظنون أن الحكومات تُوجد لأجل الشعوب!
ذهب ليقابل زعيم المعارضة!
ذهب ليطلب منه… الضغط على عدم وقف الحرب!
أي منطق هذا يا سادتي؟! سلطة ترسل مندوب لا قيمة له إلى مقابلة زعيم المعارضه الديمقراطي ليطلب منه أن المساعدة على الاستمرار في الحكم! وبينما يموت السودانيون في الشوارع وتحترق بيوتهم ويجوع أطفالهم… كان الجميع منشغلاً بسؤال واحد لا غيره:
مَن يحكم السودان؟
ثم جاءت المفاجأة…
وزارة الخزانة الأمريكية! الخزانة! ليست وزارة الخارجية، ولا مجلس الأمن، ولا المحكمة الجنائية الدولية!
الخزانة!
قالت بكل بساطة ووضوح ما لم يستطع أحد أن يقوله طوال عامين من الدم والنار: الحرب في السودان تهدد الأمن القومي الأمريكي!
فاستيقظ الجميع!
لأن الأمريكيين لا ينامون إلا حين لا تمس الأمور جيوبهم ومصالحهم. فإذا مستها… فأيقظ نفسك يا صديقي واستعد!
وهنا قال المصريون الحكماء ما قالوه، ثم صمتوا…
“ياما جاب الغراب لأمه!”
ذهبوا ليجيئوا بالنصر… فجاءوا بالخزانة الأمريكية في وجوههم.
ذهبوا ليُطيلوا الحرب… فجاءوا بالهدنة الثلاثة الأشهر.
ذهبوا ليُفشلوا برلين… فنجحت برلين وفشل واشنطن!
أما الغراب الأصلي… فقد بات يضحك في عُشّه.
لأن الغراب، على سواده، يذهب ويجيء بشيء.
أما هؤلاء… فذهبوا وجاؤوا بأنفسهم!
وهذا، يا سادتي، أسوأ ما يمكن أن يجلبه أحد.
تحياتي



