الأعمدة

بكري الجاك يحذر من انهيار جهود الرباعية ويصفها بفرصة السودان الأخيرة للسلام

في مقال سياسي نشره القيادي في تحالف “صمود”، بكري الجاك، تناول فيه الأبعاد الإنسانية والسياسية للحرب الدائرة في السودان، أكد أن المعاناة التي يعيشها المواطنون داخل البلاد وخارجها بلغت مستويات غير مسبوقة، وأن شبح المجاعة لم يعد مجرد احتمال بل أصبح واقعاً ملموساً. الجاك أشار إلى أن السودانيين الذين عادوا من مناطق النزوح أو ما زالوا في اللجوء يعيشون أوضاعاً كارثية، وأنه لم يلتقِ حتى الآن بأي شخص يرى في استمرار الحرب مصلحة له أو لأسرته. هذا الواقع، بحسب وصفه، يتناقض مع الخطاب الإلكتروني الذي يروّج لاستمرار القتال حتى “آخر جندي”، معتبراً أن هذا الخطاب لا يصدر عن من يعيشون المعاناة اليومية، بل عن فئات منفصلة عن الواقع، لا تعاني من الجوع أو الفقر أو فقدان الأحبة.

الكاتب أبدى تفهماً لحالة الغضب والرغبة في الانتقام التي تسيطر على بعض السودانيين، لكنه حذّر من أن هذه المشاعر قد تؤدي إلى تبني مواقف متناقضة، مثل القول “نحن مع السلام ولكن مع من؟”، ثم سرد انتهاكات طرف معين لتبرير استمرار الحرب. الجاك اعتبر أن هذا النوع من الخطاب يساهم في إدامة الصراع، ويمنح شرعية غير مباشرة لاستمرار القتال، رغم أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا بين أطراف متنازعة، سواء كانت حقيقية أو متخيلة. وأكد أن وقف الحرب هو السبيل الوحيد لإنقاذ حياة الملايين، وأن الأهداف السياسية التي يُروّج لها لتبرير الحرب، مثل الدفاع عن مؤسسات الدولة أو إنهاء تعدد الجيوش، يمكن تحقيقها عبر تسوية سياسية يتفق عليها السودانيون أنفسهم.

في معرض حديثه عن التطورات الدولية، أشار الجاك إلى أن الحرب في السودان حظيت باهتمام غير مسبوق خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث دعا عدد من القادة العرب والأفارقة إلى وقف فوري للقتال والبدء في عملية تفاوضية. من بين هؤلاء، أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، والرئيس الكيني وليام روتو، اللذان شددا على ضرورة إنهاء الحرب عبر الحوار. كما حظيت جهود “الرباعية الدولية” بدعم واسع من الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، الجامعة العربية، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، وعدد من الدول الأفريقية. هذا الإجماع، وفقاً للجاك، لم تشهده قضية السودان منذ اتفاقية السلام الشامل، ويُعد فرصة نادرة لإسكات البنادق وإنهاء النزاع.

ورغم هذا الزخم الدولي، عبّر الجاك عن أسفه لضعف التفاعل السوداني مع هذه الجهود، مشيراً إلى أن السودانيين لم يبادروا بما يكفي لتحويل هذا الاهتمام إلى خطوات عملية توقف الحرب وتعيد الحياة المدنية. وتمنى أن يأتي اليوم الذي يكون فيه اهتمام العالم بالسودان نابعاً من إنجاز علمي أو ابتكار تقني، لا من كارثة إنسانية أو صراع مسلح. كما دعا إلى تهيئة المناخ لحوار سوداني جامع، يضع نهاية لحرب 15 أبريل ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يحتفي بالتنوع ويمنح الأجيال القادمة فرصة للمساهمة في مسيرة البشرية.

الكاتب حذّر من أن هذه اللحظة قد تكون الفرصة الأخيرة لإيقاف الحرب، وأن التوافق الذي تحقق بين دول الرباعية ليس أمراً يسيراً وقد لا يتكرر إذا انهارت هذه الجهود. وأوضح أن العودة إلى التصورات العسكرية لدى كل طرف، والسعي لحشد الدعم الداخلي والخارجي لمواصلة القتال، سيؤدي إلى كارثة محققة. الجاك أشار إلى أن فكرة النصر العسكري أصبحت وهماً، وأن استمرار الحرب قد يحوّل السودان إلى كانتونات عسكرية ذات ارتباطات إثنية وتحالفات خارجية، ما يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع وانقسام اجتماعي وجغرافي متزايد، يصعب السيطرة عليه لاحقاً.

في ختام مقاله، شدد الجاك على أن هناك فرصة متاحة أمام معسكري بورتسودان وتأسيس للوصول إلى تسوية سياسية، قد لا تحقق كل تطلعات الأطراف، لكنها يمكن أن تشكل نقطة بداية جديدة تنقل الصراع إلى مربع سياسي. وأكد أن تجاوز ضيق الأفق والتصورات الصفرية بشأن “العدو” هو مفتاح الحل، مشيراً إلى أن المصالح المشتركة بين السودانيين تفوق الخلافات، وأن حتى من استفادوا من الحرب يمكنهم تحقيق مكاسب أكبر في ظل دولة مستقرة وآمنة. الجاك دعا إلى تبني رؤية وطنية جامعة تضع حداً للحرب وتفتح الباب أمام سلام دائم وتعايش مشترك، يضمن مستقبل أفضل للسودان وأبنائه.

زر الذهاب إلى الأعلى